"في مصر جيل جديد يختلف عن أجداده في أشياء كثيرة فيمكن أن تحدثه نفسه يومًا بأن يمد إلى تلك الأركان القديمة يدًا لا تعرف حرمة القديم، فيكون أشد عليها من يد حكومة تمدها اليوم طبقًا لإرشاد قوم لا شأن لهم في الأمر (يعني الإنجليز) ؛ لأنهم لا يدينون بالدين الإسلامي، فإذا كان لهذا الحساب نصيب من الصواب فالأجدر بأبناء اليوم أن يشرعوا في الإصلاح ويلاقوا الأمر قبل حلوله".
هذا في مصر، والتاريخ يحفظ مثله في تونس والمغرب والجزائر لكرومرها ودنلوبها: وفي كل بلد إسلامي كرومر ودنلوب يجري على نفس الخطة وينفذ نفس المخطط.
ويعلق اللورد لويد (المندوب السامي في مصر) بعد كرومر بعشرين عامًا في كتاب له تحت عنوان (مصر منذ أيام كرومر) على خطة التعليم فيقول:
"إن التعليم الوطني (في مصر) عندما قدم الإنجليز كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين والتي كانت أساليبها الجافة تقف حاجزًا في طريق أي إصلاح تعليمي وكان الطلبة الذين يتخرجون من هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الديني، فلو أمكن تطوير الأزهر لكانت هذه خطوة جليلة الخطر، فليس من اليسير أن يتصور لنا أي تقدم طالما ظل الأزهر متمسكًا بأساليبه هذه، ولكن إذا بدا أن مثل هذه الخطوة غير متيسر تحقيقها فعندئذٍ يصبح الأمل محصورًا في إيجاد التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح"اهـ .
وقد حقق الاستعمار هذا تمامًا حين فرق التعليم في العالم الإسلامي إلى ديني ومدني فجمد الأول وحجب تخريجه عن مناصب القيادة ودفع الثاني دفعة قوية إلى الصراع والتعارض والخصومة وأعلاه في خبث ومكر شديدين.
وجملة القول في هذا أن الخنجر الذي طُعِن به المسلمون قد وُضِع بذكاء في موضع القلب وقصد به أن تكون المناهج كلها وخاصة في العقيدة والتاريخ واللغة قائمة على أساس فلسفة الغرب ومفاهيمه وإعلاء شخصيته وتاريخه وحتى يكون تاريخ الإسلام وعقيدتهم ولغتهم هي موضع احتقار شبابها ومثقفيها. ولن أحدثكم عن النتائج فأنتم تعلمونها وأن كل ما يتصل بأزمة المسلمين والعرب اليوم إنما مرده إلى هذا الخنجر المغروس قريبًا من القلب وهو ما يزال ينزف بغزارة. أناشدكم الله أن تبحثوا عن السبيل الذي يمكنكم من اقتلاعه وتضميد جراحه.
أنور الجندي