أولًا: أن الدعوة بالأحوال أبلغ من الدعوة بالقول ؛ فالمرء يستطيع أن يدبج المقال ، و يستطيع أن يحسن الحديث ، وأن يتفوه بما لا يعتقد ، لكن أن يكون ذلك المقال مصداقه حال ذلك الرجل وفعله فهي صورة أخرى وحالة أخرى. لقد أمر النبي الناس أن يحلقوا رؤوسهم وأن ينحروا بدنهم ، وما كان الذين أمرهم النبي من الذين يتلكؤون بالاستجابة وهم أسرع الناس مبادرة للاستجابة إلى أمره صلى الله عليه وسلم و طاعته ، لكن ذلك الأمر القولي أبلغ من حاله حين خرج وحلق ونحر ؛ فكان ذلك الفعل رسالة إلى الناس للاستجابة له صلى الله عليه وسلم ، و لهذا لما أرسل له صلى الله عليه وسلم يوم عرفة بقدح لبن شربه أمام الناس فكان أبلغ دلالة على أنه لم يكن صائمًا.
ثانيًا: الدعوة الصامتة تدرك من جميع الطبقات ؛ فالكلمة المسموعة أو المقروءة قد يفوق تأثيرها اختلاف المستويات أو مدارك الناس ، والذي يتحدث أمام من ينصت له ، أو يكتب لمن يقرأ له بجد نفسه بين خيارين ، إن حسَّن المقال و ارتفعت لغته فيكون هناك من لا يدرك هذا الكلام أو من لا يفهمه ، وإن كان مقاله دون ذلك شعر المخاطَب أن هذا نزولًا بالكلمة عما تليق بها. أما الذي يدعو الناس بحاله فهو يدعو بدعوة يدركها الجميع و يفهمون مغزاها.
ثالثًا: إن الكلام له أثر عظيم على النفوس ، وكم تترك الكلمة الصادقة من أثر ؟ بل كم تصنع من مواقف ؟ لكن الكلمة الصادقة مهما كانت تبقى عرضة للنسيان ، إنها تبقى فترة ثم تزول ، أما الموقف فإنه يبقى في الذاكرة لا يزول أبدًا ، إن النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم كان مع أصحابه فرأى جارية من السبي تأتي لرضيعها و تضمه و ترضعه ؛ فيثيره الموقف صلى الله عليه وسلم وهو الرجل الذي كانت قضية الدعوة وقضية التعليم قضية حية في ضميره صلى الله عليه وسلم فيخاطب أصحابه قائلًا لهم:"أترون هذه طارحة ولدها في النار"؟ فيقول أصحابه: لا ، فيقول صلى الله عليه وسلم:"لله أرحم بعبده من هذه بولدها"فيمضي هذا الموقف ، إن الذين سمعوا الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم ربما ينسون حديثًا منه صلى الله عليه وسلم أما إذا رأوا امرأة ترضع ابنها فإنهم يتذكرون ذلك الموقف الذي سمعوا فيه تلك الكلمة منه صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: إن الكلمة أيضًا تترك أثرًا على الناس و تدعوهم إلى العمل والسلك ، لكن ربما يظن البعض من الناس أن هذه الصور التي يتحدث عنها المتحدث أنها صورة مثالية يصعب تطبيقها ، و إذا أمكن تطبيقها فهي في هذا الزمان الذي مرجت فيه العهود وفسد فيه الناس تستعصي على التطبيق ، أما حين تكون دعوة في الحال و موقفًا يراه الناس فإنها دعوة لكل من يرى هذا الموقف أن هذه الصورة يمكن أن تحدث ، إن الذي يسمع عن مواقف الاستشهاد في سبيل الله ربما يهزه هذا الموقف لكنه قد يشعر أن النفوس البشرية لا تطيق هذا القدر من التضحية ، أما حين يرى هذه النماذج أمام عينه فسيدرك أن هذه القضية ترقى إلى ميدان الواقع ، إنه حين يسمع عن الإنفاق في سبيل الله فيرى من يجود بماله، سيترك أثرًا في نفسه أقوى بكثير من أثر الكلمة مهما عظمت فصاحتها.
و لهذا اختار الله تعالى أن يكون أنبياؤه من البشر يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق ليكونوا قدوة وأسوة للناس.
خامسًا: الدعوة الصامتة أعظم إجابة على سبل المضلين والمفسدين ، إن الصراع لا يمكن أن يقف بين أهل الحق و الباطل و ما يلبث أهل الباطل أن يثيروا الشبهات أمام دعاة الحق فيتهمونهم بأبشع التهم ، وهي تهم ورثوها من فرعون حين قال: (( ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو يظهر في الأرض الفساد ) ), لقد كانوا يتهمون الأنبياء بأنهم سحرة و مجانين وأن أتباعهم ضعفاء ، و اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم أنه صابئ و أنه مجنون و ساحر ، و أنه يفرق بين المرء وزوجه ، وما يزال المفسدون الأفاكون الظالمون يثيرون الشبه والتهم على من يتبع سنة الأنبياء ويسير على طريقتهم ؛ فحين تكون حال هؤلاء حالًا صادقة للناس يصبح ذلك أعظم إجابة على كذب هؤلاء وإفكهم.
ما هي مجالات الدعوة الصامتة ؟
1.القدوة والأسوة الحسنة وقد مر بنا نماذج كثيرة تغني عن الاستطراد.
2.التفوق في مجالات الحياة المختلفة ؛ فحين يكون الصالحون والدعاة إلى الله عز وجل هم المتفوقون في مجالات الحياة المختلفة ، فهم المتفوقون في دراستهم و في ميادين العمل ، وهم العاملون الصادقون الذين إذا دخلوا إلى مجال فهم المتفوقون دومًا ، فإن هذا يعطي دلالة على أن هؤلاء صادقون ، وهذا يثبت للناس بطلان ما يسعى إليه الأعداء حين يحاولون أن يفسروا هذه الصحوة بأنها إفراز لحالة نفسية و اقتصادية.