فهرس الكتاب

الصفحة 7125 من 27345

وعلينا عند نشوب الحرب، واضطرام القتال، أن نرفع أكف الضراعة والاستغاثة بالله، فلعله ـ سبحانه ـ يستجيب لنا فيقهر عدونا، ويمدنا بمددٍ من عنده كما أمد رسول الله وصحابته بجند من عنده من الملائكة المرسلين حين دعوه في غزوة بدر، فانخلعت قلوب الكافرين، وفروا خاسرين، وتم بفضله ـ تعالى ـ النصر المبين.

وقد بوَّب الإمام الترمذي في جامعه (باب في الدعاء إذا غزا) وأورد تحته ما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا غزا قال:اللهم أنت عضدي وأنت نصيري وبك أقاتل"حسَّنه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2836) ."

فلا بد من اللجوء إلى محراب العبودية، والانكسار بين يدي ربِّ البرية، والتضرع والبكاء، والرجاء والدعاء لرب الأرباب، ومسبب الأسباب، بأن يكف الله شرَّ الكافرين، وأن ينصر عباده المجاهدين، وأن يخذل المنافقين وعملاء الصليبيين.

تلك والله سمة المؤمن، وشيمة الموحد، وهو أكبر دليل على صدق ما في قلبه من الحب لإخوانه المؤمنين وحمل همِّهم، وخاصَّة أنَّ الدعاء يستجاب وقت اشتداد المعركة بين المؤمنين والكافرين، فقد قال النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:"ثنتان لا تردان أو قلَّما تردَّان:الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلْحِمُ بعضهم بعضًا"أي: حين تشتبك الحرب بينهم، أخرجه أبو داود، وقال الألباني في (الكلم الطيب) : حسن صحيح (صـ76) .

* ولقد عاب الله أقوامًا نزلت بهم المصائب والبأساء، فأعرضوا عن ربهم،ولم يدعوه لكشف ضرهم، فلم يرفع عنهم تلك النازلة، قال _تعالى_:"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام:42، 43) وقال في آية أخرى:"وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ" (المؤمنون:76) فصار المصير إلى أن نعلم علم اليقين، أنَّ من أوجب الواجبات في زمن الكوارث والملمات، رفع اليدين بالدعاء لله رب العالمين، فلعل ذلك الدعاء من أكف بيضاء نقية، وقلوب صادقة وفيَّة، وأعين باكية تقيَّة تخفف من تلك المآسي التي أقلقت المسلمين وأقضَّت مضاجعهم، وقد علَّمنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه"لا يردَّ القضاء إلاّ الدعاء"أخرجه الترمذي (139) ، وقال: حسن غريب، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع برقم (7687) ، وأخبرنا بأنَّه"لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما قد نزل ومما لم ينزل، وإنَّ البلاء ينزل فيتلقاه الدعاء، فيتعالجان إلى يوم القيامة"حسَّنه الألباني في صحيح الترمذي (2813) ولهذا كان الدعاء من أسباب النصر على الأعداء، وخاصَّة إذا كان ذلك من عباد الله الضعفاء، وقد دلَّ على ذلك حديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ"إنما ينصر الله هذه الأمَّة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) صححه الألباني في صحيح النسائي (2978) ."

فأين نحن يا أخا الإسلام عن ذلك السلاح العظيم والمنجي لنا من بطش الأعداء؟! وأين الإلحاح على الله بأن يكشف الضر عن المسلمين؟! وأين الانطراح بين يديه؟! وأين الانكباب عليه؟! وأين التوجه إليه؟!

وصدق من قال:

وإنِّي لأدعو الله والأمر ضيِّق *** عليَّ فما ينفك أن يتفرجا

وربَّ فتى ضاقت عليه همومه *** أصاب له في دعوة الله مخرجا

قال صلَّى الله عليه وسلَّم:"الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر؛ وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم"أخرجه ابن ماجة برقم (2893) في كتاب المناسك، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (4171) .

1-فهاهو طالوت وجنده قبل بداية المعركة يقول _تعالى_ عنهم:"ولمَّا برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" (البقرة: 250) وبعد هذا الدعاء، كان الجواب من الله:"فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت"وكان النصر حليفهم حين دعوا الله وتوكلوا عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت