لكن قد يدعو داعي البيان للحق والنصرة له في تقوية الحق بكلام شديد، كما وقع من بعض الأئمة عند نصرهم للعقيدة الحقة ، لكن بقدر الاحتياج ، ويُقَدِّر ذلك العالم في وقته.
-الأدب الثاني: الصبر، وهو: حبس الإنسان نفسه على الثبات على الحق بيانًا ونصرة، مع تحمّل الأذى، فإنه لابد أن يلقى الأهوال ويواجه الصعاب، وأن يؤذى بأنواع من الأذى. قال الله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17] .
الأدب الثالث: الحكمة، والحكمة في أصلها: وضع الشيء في مواضعه. {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل125] .
وعليه فينبغي أن يكون المرء حكيمًا في نشر الحق، فيعرف ما الذي يخرجه في أوقاته، وما الذي يؤخره، وله أن يُقسِّط الحق على أوقات وعلى أماكن وعلى أحوال؛ حتى يوصل ما يريد.
-الأدب الرابع: المداراة للناس، بعيدًا عن المداهنة، فإن المداراة من حيث الأصل هي: الدفع برفق، كما قاله الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) )، فيدفع المرء مضرةً ومشكلة بمداراة لأهلها، سواء أكان موقفًا أم كلمة أم عبارة أم غير ذلك.
واستعمال المداراة قد يجنب المرء أخطارًا وأضرارًا، كبطش ذي سلطان أو صاحب شوكة. والأصل في المداراة: أنها سلوك حسن في الشرع، وعند العقلاء، وقد قامت عليه الدلائل،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) [رواه البخاري ومسلم]
وكذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مداراة قريش
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ) [رواه البخاري ومسلم]
وقال الحسن البصري: (كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي العقل كلُّه) .
فيجب على طالب العلم أن يهيئ نفسه للدعوة إلى الله عز وجل بطلب العلم النافع والتحلي بالصفات الحميدة ومتابعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم فإن هذا شرف لا يعدله شرف وفضل لا يساويه فضل فتحل به يا طالب العلم ولا تترك الساحة لأصحاب الأهواء وأهل الجهل؛ ممن إفسادهم أعظم من إصلاحهم.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) [رواه البخاري والمسلم]
أسأل الله أن يصلح أحوالنا ويوفقنا إلى الخير، ويعيننا عليه فهو نعم المولى ونعم النصير.
( 1) سير أعلام النبلاء (4/540)
(2 ) سير أعلام النبلاء (8/114)