(3) على بن عبد الله بن عباس بن المطلب الإمام القانت أبو محمد الهاشمي المدني السجاد:
ولد عام قُتل الإمام علي، فتسمى باسمه، حدث عن أبيه ابن عباس، وأبي هريرة وابن عمر، وأبي سعيد وجماعة وأمه ابنة ملك كندة مشرح بن عدي وكان جسيمًا وسيمًا كأبيه طوالًا، مهيبًا مليح اللحية يخصب بالوسمة .
وقال ابن سعد: هو ثقة قليل الحديث. قال عكرمة: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقًا إلى أبي سعيد الخُدري، فاسمعا من حديثه، فأتيناه في حائط له (16) .
وقال الذهبي: القب بالسّجَّاد لكثرة صلاته (17) .
كان علي بن عبد الله بن العباس أجل إخوته قدرًا وأعظمهم خطرًا وكان مثالًا للرجل الكامل في تمام خلقته وحسنه وورعه ونبله (18) ، قال ابن سعد: كان أصغر ولد أبيه سنًا وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثر صلاة وكان يقال له السجاد لعبادته وفضله وكان زاهدًا متقشفًا وأثَّرَ في بنيه وحفدته، فنشأوا على هديه وسمته واقتدوا بمذهبه وسيرته، فكانوا أشهر الناس تلاوة وقيامًا وصيامًا وصلاحًا (19) حتى قبل فيهم: أفضت الخلافة إليهم وما في الأرض أحد أكثر قارئًا للقرآن ولا أفضل عابدًا وناسكًا منهم بالحُميمة (20) وكان عالمًا له معرفة ورواية عن أبيه (21) وكان سيدًا شريفًا بليغًا (22) وكان كبير المحلَّ عند أهل الحجار (23) . روي هشام بن سليمان المخزومي: أن عليَّ بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجًا أو معتمرًا عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها، ولزمت مجلس علي بن عبد الله إجلالًا له وإعظامًا وتبجيلًا، فإن قعد قعدوا وإن مشى مشوا جميعًا، ولم يكن يُرى لِقُرَشيَّ مجلس"ذِكْرٍ"يُجتمعُ إليه فيه حتى يخرج علي بن عبد الله من الحرم (24) . فقد جمع علي بن عبد الله العباسي صفات الزعامة من علم وعبادة، وهيبة ومكانة في النفوس ... إلخ.
* رحلته إلى الشام:
أوصى عبد الله بن العباس ابنه عليًا بإتيان الشام والتنحي عن سلطان ابن الزبير إلى سلطان عبد الملك، ولما توفي أبوه عمل بوصيته ورحل إلى الشام واستقبله عبد الملك واحتفى به، وكان يجلسه على سريره إذا دخل ويحادثه ويسامره وكان يرعاه ويهدي إليه الجواري، ويقضي حوائجه ويقبل شفاعته (25) .
* سعيه للخلافة وضرب الوليد له:
علم الوليد بن عبد الملك في عهده أن عليًا يطلب الخلافة ويتنبّأُ بانتقالها إلى بنيه فضيق عليه ونال منه وشهر به، ثم جلده وطرده من بلاد الشام (26) وقد تراجعت منزلة علي في عهد الوليد، وساءت حاله واضطربت وقد التمس الوليد الأسباب للانتقام منه والإضرار به فأذَّله واعتدى عليه، وجاوز القصد في ردعه ومعاقبته، فجلده مرارًا ونفاه (27) .
* في عهد سليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام:
لما استخلف سليمان بن عبد الملك ردّه إلى دمشق، وأخلى سبيله، وأزال عنه ما لحق به من ظلم وهوان وربما اعتذر إليه من تعذيب الوليد له، وتنكيله به، وأنصفه وتألفَّه فصلحت حاله واستقامت، ورجع إلى الحميمة، فأقام بها حّرًا عزيزًا، وعاود فيها نشاطه لا رقيب له ولا حسيب عليه.
ولما جاء عهد عمر بن عبد العزيز أمر بالكف عن اضطهاد بني هاشم، وقسم فيهم سهم ذي القربى، فانتعشوا وكتبوا إليه: يشكرون له ما فعله من صلة أرحامهم (28) . وأخذ علي بن عبد الله بن العباس، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يدفعان عنه ويَزعان الناس في اغتيابه (29) .
ولما تولي هشام اعتنى بعلي بن عبد الله بن العباس، وأحسن إليه، فكان يتهلَّل له ويُدينه ويحمل عنه دُيونه إذا وفد عليه، وصبر على نشاطه السياسي وتغافل عنه وتغاضى عن أمله في الخلافة، واستهان بعمله للفوز بها، حتى أخطأ في تقدير خطره وقصّر عن إدراك تهديده لملك بني أمية إذ كان يهزأ بما يبلغه من أخبار نزوعه إلى الخلافة ويستخف بتوقعه لتحولها إلى بنيه، وكان ينسب ذلك إلى فساد عقله وضعف رأيه وأضغاث أحلامه في شيخوخته (30) . ويرى بعض المؤرخين أن علي بن عبد الله بن العباس كان أوّل من تمنَّى الخلافة من بني العباس وشرع في تأسيس الدعوة لهم على انتقال الخلافة إليهم، وأظهر ذلك وجهر به (31) ، هذا وقد توفي علي بن عبد الله بن العباس عام 118ه (32) .
(4) محمد بن علي بن عبد الله بن العباس: