وثبات السنن الإلهية في الكون والإنسان هو إطار حركة المتغيرات، ولقد كان الفكر الغربي في مرحلته اليونانية يؤمن بالثبات المطلق، ثم جاء هيجل فنقله إلى التطور المطلق. وكلاهما صدر عن نقص في النظرة وعجز عن استقصاء الأبعاد المختلفة التي جاء الدين الحق ليكشف عنها للإنسان وليدله عليها وليجعل فكره أكثر رقيًا وأعمق فهمًا.
ومن هنا فإن الفكر الغربي هو فكر انشطاري يمر اليوم بمرحلة التطور المطلق الذي لا يتوقف عند حد والذي يجري في غير إطار من الثوابت ومن ثم يتعرض لكثير من المعاطب والأخطار.
أما الفكر الإسلامي فهو فكر متكامل جامع، يربط بين القيم في توازن رقيق وتناسق معجز، فالحياة يقابلها الموت والفقر يقابله الغنى والجبن يقابله الشجاعة والروح تقابلها المادة، والكون كله ثنائيات متلاقية ليس فيه واحدًا لا شاء له ولا تعدد إلا الله تبارك وتعالى، ومن شأن هذا الفهم أن يعالج أزمة الفكر الغربي التي تقوم على الصراع والتناقضات، ذلك أن المفهوم الكامل من شأنه أن يقضي على المتناقضات ويذيب الصراعات.
فليس وجود الأضداد دليل على خصومتها وتعارضها؛ ولكنه سبيل إلى تكاملها والتقائها فالضد يولد من الضد، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. ذلك أنو النور يكشف الظلام والحق ينسف الباطل.
أما الفكر الغربي الذي أثر فكرة التطور المطلق وحجب فكرة الأطر الثابتة فقد عجز عن فهم هذا الالتقاء وعده صراعًا، وتناقضات.
أما الإسلام فقد وفق بين المتناقضات في إطار التكامل وعلى قاعدة التوازن وليس في هذا ما يوصف بأنه ازدواجية؛ بل هو التكامل الذي يوفق بين الأضداد والمتناقضات ويسلكها في طريق الحركة الطبيعية.
ولقد يعجز الفكر الغربي عن فهم التكامل والالتقاء بينهما هو طبيعة طيعة للفكر الإسلامي الذي يقوم على التكامل بين الزمني والروحي والمطلق والنسبي واللانهائي والمحدود.
ومن هنا يمكن القول بلغة الفلاسفة أن الإسلام يجمع بين المنطق الشكلي والمنطق الجدلي، بين منطق أرسطو القائل بثبات الموجودات ومنطق هيجل القائل بتغير الموجودات الدائم. وبذل يقيم قانون"الثوابت والمتغيرات"، فالإسلام يجمع بين الأصول العقائدية الثابتة وبين الاجتهاد في الفروع والتفاصيل والتطبيقات (وهو ما نسميه التطور) ، ويقول بتغير الأحكام النوعية مع تغير الأزمنة والأمكنة وهو ما يسميه الفقهاء اختلاف زمان ومكان لا اختلاف حجة وبرهان ذلك أن الإسلام منهج إلهي من حيث الأصول، ووضعي بشري من حيث التطبيق والتفاصيل، أصول إلهية ووضع بشري من حيث التطبيق والتفاصيل، أصول إلهية على أساس التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فهو لا يسحق الفرد لصالح الجماعة ولا يسحق الجماعة لصالح الفرد، فإذا استحال التوفيق اختار الإسلام المصالح الجماعية، وهذا هو التوازن الدقيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. ومعنى هذا أنه لا انفصال بين ما هو مادي وما هو روحي في الإسلام، ومنهج الإسلام أصول إلهية وتفسيرات بشرية، وعن طريق هذا المفهوم لا يجد المسلم ذلك القلق الفلسفي الواسع الذي يشغل الباحثين حول: التناقض والصراع والجبرية وتنازع البقاء.
فساد نظرية الجبرية
إلى أي حد يمكن أن يصل بالحضارة الغربية وبالفكر الغربي ذلك التصور الذي يجتاح العصر كله ويحاول أن يلقي بظله على الفكر الإسلامي ويجد من المثقفين العرب من يتبناه ويردده: هذا الفهم الخطير للجبرية والحتمية الذي يستمد منطلقه من الفلسفة المادية والذي يذهب بعيدًا ليكون عاملًا خطيرًا في تصرفات الإنسان، وسلوكه، وما هي صلة ذلك كله بنظرية الخطيئة الأولى في الفكر الغربي المسيحي، وعلاقته بالوجودية وبالأدب وبالأخلاق.