فهرس الكتاب

الصفحة 7302 من 27345

• ... هاهو عمر بن عبد العزيز،عليه رحمات رب جليل، يعود يومًا بعد صلاة العشاء إلى داره -وهو خليفة المسلمين، مقدرات الأمة بين يديه- يلمح بناته الصغار، فيسلم عليهن كعادته، وكنّ يسارعن إلى تقبيله، لكنهن هَرَبْنَ هذه المرة، وهنَّ يغطين أفواههن، فقال لزوجه: ما شأنهن ؟ قالت: لم يكن لديهن ما يتعشين به سوى عدس وبصل، فكرهن أن تشم من أفواههن رائحة البصل، فبكى وأجهش بالبكاء، ميزانية الأمَّة تحت يديه، يقول: يا بنياتي أينفعكن أن تتعشين أطيب الطعام والشراب، وتكتسين أجمل الثياب من مال الأمة، ثم يُؤمر بأبيكن إلى النار؟ قلن: لا، لا، ثم اندفعن يبكين. فلا والله لا تسمع في البيت إلا الحنين والأنين. لما حلَّت به سكرات الموت -عليه رحمة الله- دخل عليه [مسلمة] وقال: لقد تركت أبناءك فقراء جوعى فأوصِ بهم إلىَّ أو إلى أحد من أهل بيتك، وكان مُضَّجعًا قال: أسندوني، ثم صرخ، والله ما منعت أبنائي حقًا لهم، والله لن أعطيهم ما ليس لهم، أما أن أوصي بهم إليك أو إلى غيرك فلا، إن وصيَّ وولِيَّ فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، إن بنىَّ أحد رجلين ؛ إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وإما رجل مكبٌّ على المعاصي فوالله لم أكن لأقويه على معصية الله، ثم طلب جميع أولاده وهم بضعة عشر فاجتمعوا، فنظر إليهم، ثم ذرفت عيناه دموعًا حرَّى، وقال: أفديكم بنفسي أيها الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم، يا بني إن أباكم خُيِّر بين أن تستغنوا ويدخل النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، إن وليَّي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، ثم تلا: (تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .

عباد الله كلنا في امتحان، فبين راسب وناجح، والمادة هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بين عامل بمقتضاها قائم بأركانها وشروطها وواجباتها، قالها موقنا محبًا منقادًا مستسلمًا، صدَّقها قلبه، وعملت جوارحه بها، فهو الناجح، وأي نجاح !. وآخر قالها بلسانه وما صدقها بالعمل، فهو الراسب المنافق. وآخر لم ينطقها، فإلى جهنم وبئس القرار. هاهي رسالة امتحان، تأتي لصلاح الدين من أحد المسلمين على لسان المسجد الأقصى الأسير في يد الصليبين يوم ذاك، واليهود اليوم مع الصليبيين، تقول الرسالة وهي امتحان واختبار لصلاح الدين:

يا أيها الملك الذي *** لمعالم الصلبان نكَّس

جاءت إليك ظِلامَةٌ *** تسعى من البيت المقدس

كل المساجد طهِّرت *** وأنا على شرفي منجَّس

امتحان لصلاح قام صلاح الدين فيه يصوم نهاره، ويقوم ليله، ويشحذ هِمَمَ الأمة الإسلامية، ويصدر أوامره ألا يضحك أحد، ولا يمزح أحد، ولا يفكر أحد إلا باسترداد بيت المقدس، ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر بعد استعداد جيد للامتحان، فيدمر الصليب، ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى؛ ليكون قدوة لمن يريد استعادة الأقصى السليب. ثم ماذا بعد صلاح الدين أيها الأخوة ؟ استيقظ اليهود يوم نمنا فدنَّسوه، ودخلوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه، وقالوا: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فيا ليت صلاح الدين يرى المؤامرات على أقصانا، وما هدم العدو وما استباح، ليته يرى كيف بغى اليهود، وكيف أحسنَّا الصياح. إن أسئلة الامتحان التي قُدِّمت لصلاح الدين، أسئلة الآن تُقدَّم لنا، لكن صلاح الدين حلَّ الأسئلة بنفسه، ونحن أحلنا حلَّ الأسئلة إلى غيرنا، فكان ما كان.

سقوا فلسطين أحلامًا منوِّمَة *** وأطعموها سخيف القول والخُطَب

وإن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا *** فلِلَّه أوس قادمون وخزرج

*كان الرشيد يكثر من صلاة النافلة إلى أن فارق الدنيا، وكان يتصدق وينفق على الحجيج من صلب ماله، وكان يحب الشعر والشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويسرع الرجوع إلى رحاب الحق إذا ذكر. حدث أنه حبس أبا العتاهية الشاعر، ووكَّل به رجلا يكون قريبًا منه لينظر ما يقول ويصنع، فكتب أبو العتاهية على الحائط:

أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم

فجاء الرجل فأخبر هارون الرشيد، فبكى الرشيد، وأطلق أبا العتاهية واعتذر إليه واسترضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت