فهرس الكتاب

الصفحة 7304 من 27345

فبكى هارون الرشيد، ثم قال: زدني يرحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين أنّ جدك العباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم جاءه، فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عباس يا عم النبي نفس تُحييها خير من إمارة لا تحصيها إن الإمارة حسرّة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل، فبكى هارون بكاءً شديدًا ثم قال: زدني يرحمك الله، فقال: يا حَسَن الوجهِ أنت الذي يسألك الله عز وجل يوم القيامة عن الخلق، فإن استطعت أن تقِي هذا الوجه من النار فافعل وإيّاك أن تُصبح أو تُمسي وفي قلبك غش لرعيتك. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"مَن أصبح لهم غاشًا لم يرح رائحة الجنة"فبكى هارون بكاءً شديدًا ثم قال: أعليك دَين؟ قال نعم دَين لربي يُحاسبني عليه فالويل لي إن سألني والويُل لي إن لم يلهمني حجتي، فقال هارون: إنما أعني دَينَ العباد فقال إن ربي لم يأمرني بهذا وإنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال تعالى:"وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ما أُريد منهم مِن رزقٍ وما أريدُ أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوّة المتين". فقال له الرشيد: هذه ألف دينار خُذها فأنفقها على عيالكِ وتقوَّ بها على عبادة ربّك. فقال فضيل: سبحان الله أنا أدلك على النجاة وتُكافئني بمثل هذا سلّمك الله، ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فقال لي الرشيد: إذا دللتني على رجُلٍ فدلني على مثل هذا فإنّ هذا سيّد المؤمنين اليوم.

ويروى أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال لأنفرجنا به، فقال: إن مثلي ومثلك كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه فلما كبُر نحروه وأكلوا لحمه، موتوا يا أهلي جوعًا ولا تنحروا فضيلًا. فلما سمع الرشيد ذلك قال: أدخل بنا فعسى أن يقبل المال، قال: فدخلنا فلما عَلِمَ بنا الفضيل خرج فجلس على السطح فوق التراب فجاء هارون فجلس إلى جنبه فكلمه فلم يرد عليه فبينما نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت له: يا هذا قد آذيت الشيخ منذ أتيته فانصرف يرحمُك الله راشدًا، فانصرفنا. ,قال القاضي ابن خِلّكان في ترجمة الفضي رحمه الله: فبلغ ذلك سفيان بن عُيينة فجاء إليه وقال له: يا أبا علي قد أخطأت في ردَّك البدرة (الألف دينار) ألا أخذتها وصرفتها في وجوه البَّرِ فأخذ بلحيته وقال: يا أبا محمد أنت فقيهُ البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط لو طابت لأولئك لطابت لي.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبُّه بالكرام فلاح

أيها المسلمون: لما جَبُن الناس عن النصيحة، فشت فيهم الغيبة فصاروا إذا رأى أحدهم عيبًا في أخيه لم ينصحه في وجهه بل فضحه به في غيابه والغيبة من كبائر الذنوب.

والعمل الصالح -أيها الإخوة - لا بد فيه من الإخلاص، إن من أشد المفسدات، ومانعات القبول، ومبعدات التوفيق عدم الإخلاص والإشراك في النية والمقاصد، وفي الحديث: (إياكم وشرك السرائر، يقوم رجل فيصلي، فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر) .

وإذا كان الرياء هو العمل لأجل الناس، فإن هناك نوعًا خطيرًا ذلكم هو العمل لأجل النفس وحظوظها، لا لأجل الله وابتغاء مرضاته والأمل فيما عنده، إن من عدم التوفيق أن يعمل العبد ليرضي نفسه، ويبتغي حُظوظ دنياه، يصوم ويتصدق ويتزهد ويتورع لما يرجو من الدنيا وغاياتها.

الإخلاص -حفظك الله- أن يستوي حال الظاهر والباطن، عبدُ الله المخلص يعمل عمله لله سواء رآه الناس أم لم يروه، وسواء كان له حظ من حظوظ الدنيا أو لم يكن، فليس له توجهٌ إلا لله، وليس له طمع إلا في جنة الله، وليس له غاية إلا في رضوان الله، ليس له هرب إلا من سخط الله، وليس له حذر إلا من عذاب الله.

عبادَ الله، إنّ الله أمرَكم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا) .

[الجمعة:2]

رواه مسلم من حديث عمر رضي الله عنه

رواه أحمد وروى مسلم بعضه

رواه مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه

َ [الأعراف:62]

[الأعراف:68]

[الأعراف:79]

[الأعراف:93]

[التوبة:91]

رواه البخاري ومسلم

[صححه الألباني صحيح الجامع 6655]

رواه مسلم

رواه أحمد وابن حبان

[النساء:36]

[الجن:18]

[الأعراف:54]

[آل عمران:128]

خرجه ابن أبي الدنيا

رواه أحمد

[الأنفال:24، 25]

[الإسراء:13، 14]

رواه ابن خزيمة في صحيحه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت