وإذا كان العدو الاستراتيجي للإسلام قد بدأ يخوض في ضمائرنا ، ليعلمنا كيف نتعلم ديننا فقد وجب أن نتوجه إلى تأكيد مشروعنا التربوي لبناء الشخصية الإسلامية - وفقا لأصالتنا الذاتية - في وضوح وقوة إيمان ، وهو مشروع يقوم على النظرية الإسلامية في"التكامل والتوازن والتميز"كبديل تربوي عملي عن سوء الفهم الذي يدور أحيانا حول قضية الوسطية [2] معرضين في الوقت نفسه عن لغو الخائضين
المدخل
نظرية التعلم في الإسلام
ترتبط نظرية التعلم في الإسلام بنظرية المعرفة فيه ، باعتبار الثانية أصلا للأولى . ونظرية المعرفة في الإسلام تتكون في رأينا من مصدر ، ومورد ، وحركة بين المصدر والمورد .
أما من جهة المصدر: فنجد نظرية المعرفة في الإسلام في قوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ ، خَلَقَ الْأِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْأِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ } ثم تأتي تتمتها في قوله تعالى إثر ذلك { كَلّا إِنَّ الْأِنْسانَ لَيَطْغى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ، إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى } أول سورة اقرأ .
وبيان ذلك في هذه الآيات: أن المعرفة لا يعثر عليها في أعماق النفس البشرية ذاتيا ، وإنما تأتي باجتهاد تمثله كلمة"اقرأ"، وهذا الاجتهاد لا يقوم به الإنسان مستقلا ، وإنما يقوم به ( باسم الله ) وباسم الله لا تعني مجرد البركة ، وإنما تعني الاستمداد ، فهو اجتهاد يستمد مبادئه ووسائله وغاياته من الله .
ولكي لا يختلط الأمر بنظريات غنوصية أو عرفانية .. توضح الآيات المقصود من كون المعرفة اجتهادا بشريا مستمدا من الله: حيث تذكر نظير ذلك في حياة الإنسان ، وهو خلق الله للإنسان فتقول"باسم ربك الذي خلق"
الإنسان لم يعثر عليه في الطبيعة ، ولم يصدر عن العلة الأولى أو بطريق الفيض ، ولكن الله هو الذي خلقه ، خلقه من بداية صغيرة ( خلق الإنسان من علق) وصاحَبَ هذا الخلق جهد بشري ضئيل ، مجرد مصاحبة . هكذا الأمر في الخلق ، وهكذا الأمر في المعرفة . هل يخلقه دون أن يُعلمه ؟ ذلك لا يتفق مع وصفي الربوبية والكرم ، وذلك ما تبينه الآية الثالثة ( اقرأ وربك الأكرم ) ، والنتيجة إذن في الآية الرابعة ( الذي علم بالقلم ) ، فهو الذي علم كما أنه الذي خلق . وإذا كان الخلق من الله مع مصاحبة جهد بشري ضئيل .. مجرد مصاحبة ، فإن التعليم من الله مع مصاحبة جهد بشري ضئيل أيضا: هو الإمساك بالقلم ، والقراءة .
فماذا علم الله الإنسان: هذا ما نجده في الآية الخامسة ( علم الإنسان ما لم يعلم ) علمه الأشياء التي لم يتعلمها: الأشياء التي لم يتعلمها أصلا ، أو التي لم يتعلمها - في الحقيقة - بنفسه ، وإن كان قد صحب عملية تعلمها بجهد بشري ضئيل .
وهذه العلوم نجدها في البداية: في العلوم الضرورية ، ويلحق بها أدوات المعرفة.
وفي الوسائط: في إفاضة هدى الله على جهد الإنسان في مسالك الوصول إلى النتائج .
وفي النهاية: في إفاضة اليقين ، لجبر ثغرات الظن فيما يتعلق بالوصول إلى النتائج .
ولكي لا يلتبس أمر هذا كله بالوحي أو الكشف أو الإلهام الخاص فقد جاء قوله تعالى ( الذي علم بالقلم ) ، ليؤكد الأسلوب العادي في التعلم ، كما أن قوله تعالى ( الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ) يوضح الأسلوب العادي في الخلق .
أما الأسلوب غير العادي: أسلوب خلق آدم ، وأسلوب خلق عيسى عليهما السلام ، وأسلوب الخوارق والمعجزات ، فذلك موضوع آخر لا يصح أن يختلط بما نحن بإزائه . ذلك موضوع الوحي أو الكشف أو الإلهام الخاص ، موضوع لا يتعلق بنظرية المعرفة العادية التي يشترك في الخضوع لها البشر جميعا على سواء .
ثم تبين الآيتان التاليتان أن استقلال الإنسان بالتعلم أو بالعلم يؤدي إلى انحراف عن مصدر التعليم ( كلا إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى )
ثم تبين الآية الأخيرة فيما ذكرناه أن المرجع في المعرفة هو الله ، ( إن إلى ربك الرجعى )