ذكر ربهم مع الذين اتقوا ولم يذكرها مع الذين كفروا وذكر وحذف الواو في (فتحت) و (وفتحت) يتعلق بالحذف والذكر . في هذه الآية من سورة الزمر ذكر تعالى الذين كفروا عندما يساقون الى النار فهؤلاء لا يستحقون أن يرد معهم اسم الله سبحانه وتعالى فضلًا عن أن يذكر اسم الرب (ربهم) الذي يعني المربي والرحيم العطوف الذي يرعى عباده فلا تنسجم كلمة ربهم هنا مع سوق الكافرين الى جهنم وعدم ذكر كلمة ربهم مع الذين كفروا هو لسببين الأول أنهم يساقون الى النار وثانيًا أنهم لا يستحقون إن تذكر كلمة ربهم معهم فلا نقول وساق الذين كفروا ربُهم إلى جهنم لأن كلمة الرب هنا: فيها نوع من التكريم والواقع أنه كما قال تعالى: )فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( [ الأعراف:51] لكن مع المؤمنين نقول(وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة) ذكر كلمة ربهم هنا تنسجم مع الذين اتقوا. وفعل كفر يتعدّى بنفسه أو بحرف الجر وهنا لم يتعدى الفعل وهذا يدل على إطلاق الذين كفروا بدون تحديد ما الذي كفروا به لتدل على أن الكفر مطلق فهم كفروا بالله وبالإيمان وبالرسل وبكل ما يستتبع الإيمان.. (وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرًا) لم تذكر كلمة (ربهم) لأن الربوبية رعاية ورحمة ولا تنسجم مع السوق للعذاب ولا يراد لهم أن يكونوا قريبين من ربهم لكنها منسجمة مع سوق الذين اتقوا ربهم الى الجنة فهي في هذه الحالة مطلوبة ومنسجمة. كلمة الرب فيها نوع من التكريم فلا تذكر مع الكافرين لكن مع المؤمنين تكون مطمئنة ومحببة إليهم (وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرًا) .
وقد وردت (كفروا ربهم) في مواطن أخرى في القرآن لكن في هذا الموقع لم ترد لأنه لا تنسجم مع سوق الكافرين الى النار ولا بد أن ننظر في سياق الآيات فقد قال تعالى )وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا( [المزمل:4] والترتيل في القرآن ليس هو النغم وإنما النظر في الآيات رتلًا أي آية تلو آية متتابعة لأنها مرتبطة ببعضها فإذا اقتطعت آية من مكانها قد تؤول وتفسّر على غير وجهها المقصود لكن إذا أُخذت في داخل سياقها فستعطي المعنى المطلوب الذي لا يحتمل وجهًا آخر. والبعض يتداول آيات خارج سياقها فتعطي معنى وفهمًا غير دقيق للآية ولو أُخذت الآيات في سياقها لفهمناها الفهم الصحيح ولذا يجب أخذ الآيات في سياقها.
بالنسبة لذكر وحذف الواو في كلمة (فتحت) و (وفتحت) حذف الواو مع النار وهذا نوع من إذلال الكافرين والمضي في عقابهم لأن الذين كفروا عندما يساقون الى جهنم كأنهم ينتظرون ثم تفتح لهم الأبواب عندما يصلون إليها وهم في خوف ولكن تفتح الأبواب عند وصولهم وتفاجئهم النار بينما المؤمنون يرون أبواب الجنة مفتحة لهم من بعيد ويشمون رائحتها من بعد و رائحتها تشم من مسافة 500 عام وهذا نوع من الإكرام لهم لأن الأبواب مفتحة لهم قبل وصولهم إليها فيكونون في حالة اطمئنان في مسيرهم الى الجنة. والواو في (وفتحت) هي واو الحالية أي وقد فتحت أبوابها أي وهي في حالة انفتاح أي سيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرًا حتى إذا جاءوها حال كونها مفتّحة أبوابها. فالنار إذن أبوابها موصدة حتى يساق إليها الكافرون فتفتح فيتفاجؤن بها وهذا نوع من الإذلال لهم وإخافتهم وإرعابهم بما سيجدون وراء الأبواب أما الجنة فأبوابها مفتوحة وهذا نوع من التكريم للمؤمنين.
وللحذف أغراضه الكثيرة في القرآن الكريم لا يتسع المجال لذكرها ولنذكر مثالًا على ذلك في قوله تعالى: ) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ( [الرعد: 31] .
فانظر إلى عظمة هذا القرآن التي يشعر بها القارئ.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
المراجع