فهرس الكتاب

الصفحة 7439 من 27345

ويشرح جناب القمص موضوع الروح فيقول:"في القرآن يقولك: لا تكذبوا على الله وروحه. روح الله هوّه روحه، مش كده؟ الروح القدس هوّه روح الله، لإن هل نتصوّر الله من غير روح؟ طب لو قلنا مثلا روح القدس دا جبريل، طب والله من غير روح؟ من غير حياة؟"، ثم يتساءل القمص:"هل الله بدون روح؟ سيبنا من جبريل، هل الله بدون روح؟"فترد السيدة ناهد قائلة:"لأ لا يمكن". فيستكمل القمص كلامه قائلا:"لا يمكن. طب روح الله مش هوّه الروح القدس؟ قدوس، الله قدوس، وده اسم من أسماء الله الحسنى، وروحه هوّه الروح القدس. فده الثالوث اللي احنا بنؤمن بيه: الآب هو الوجود، والكلمة هو عقل الله، الذي تجلى في صورة بشر، والله ما ينفصلش عن عقله، ثم الروح، روح الله الحي اللي بيعطي الحياة، ولكنهم مرتبطين مع بعض، مفيش انفصال، زي الإنسان ما تقدريش تفصلي روحه عن جسده عن عقله، هوّه هوّه كامل".

أولا، لا توجد في القرآن الكريم آية تقول:"لا تكذبوا على الله وروحه"، فهذه الجملة من اختراع جناب القمص، وهو كما هو معروف عنه مخترع كبير، ولكن عليه أن يحصر اختراعاته في كتابه، ولا يظن أن القرآن المجيد مِلك مشاع لكل من هب ودب أن يعبث به.

ثانيا، طبعا إذا كانت المسألة بهذا الشكل الذي شرحه القمص، يكون حتما هناك ثلاثة آلهة، مهما قال جناب القمص إنهم إله واحد. لأن الوجود يحتاج إلى عقل لكي يعلم به الحكمة والعلم، ويحتاج إلى روح لكي تعطيه الحياة. والعقل يحتاج إلى وجود لكي يعمل من خلاله وإلى حياة لكي يستطيع أن يؤدي وظيفته. والروح هو الذي يعطي للوجود الحياة، وبغير الحياة يكون الوجود موجودا ولكنه ميت لا يعمل، وبغير الحياة لا يستطيع العقل أن يعمل أيضا. فهؤلاء الثلاثة يكوّنون فيما بينهم ألوهية واحدة، ولكنها ألوهية تتكون من ثلاثة أقانيم، أي من ثلاثة أشخاص لهم كينونة، ولو أن هذه الكينونة ليست منفصلة عن كينونة الله.

والاعتراض على هذه الصورة التي يقدمها جناب القمص هو ما يلي:

أولا: إن الوجود ذات، غير أن هذه الذات ليست كاملة بذاتها، بل تحتاج إلى عقل يعطيها الحكمة، وتحتاج إلى روح تعطيها الحياة. وإذا كانت ذات الله تحتاج إلى شيء فهي ناقصة، والناقص لا يمكن أن يكون إلها ولا يستحق أن يكون إلها.

ثانيا: إن العقل هو الذي يعطي للوجود الحكمة، ولكنه ناقص في ذاته، لأنه لا قيمة له بدون ذات الله، فهو يحتاج إلى وجود الذات لكي يعمل ويعطيها الحكمة. وما يحتاج إلى شيء فهو ناقص، والناقص لا يمكن أن يكون إلها ولا يستحق أن يكون إلها.

ثالثا: إن الروح هو الذي يعطي الحياة للوجود، ويمكّن العقل من العمل، ولكنه ناقص في ذاته لأنه لا قيمة له بدون الوجود، فهو يحتاج إلى وجود الذات لكي يعمل ويعطيها الحياة. وما يحتاج إلى شيء فهو ناقص، والناقص لا يمكن أن يكون إلها ولا يستحق أن يكون إلها.

رابعا: رغم أن الألوهية التي تجمع بين الوجود والعقل والروح، قد تبدو أنها كاملة، ولكنها في حقيقة الأمر ناقصة، لأنها تتكون من ثلاثة أقانيم كل منها يكمّل الآخر، فهي ناقصة في ذاتها، والألوهية التي تتكون من ثلاثة نواقص تكون ناقصة هي الأخرى، حتى ولو كانت تبدو أنها كاملة في مظهرها.

خامسا: بأي حق وبأي سُلطة نحصر الصفات الإلهية في هذه الصفات الثلاث: الوجود، العقل، الحياة؟ أليس الله بصيرا؟ فما هي وسيلة البصر؟ أليس الله سميعا؟ فما هي وسيلة السمع؟ أليس الله قويا؟ فما هي وسيلة القوة؟ أليس الله قديرا؟ فما هي وسيلة القدرة؟ إن هذه كلها صفات ذاتية، ومحاولة جناب القمص الخروج من هذه الورطة بقوله إن الصفات الأخرى هي صفات أفعال أو صفات عامة، فلا قيمة لتلك المحاولة، لأن الذات الإلهية إن لم تكن لها صفة ذاتية معينة لا تستطيع أن تفعل بها شيئا، بمعنى أنه إن لم يكن الله بصيرا بذاته لما أعطى البصر لغيره، تماما كما لو أنه لم يكن موجودا بذاته لما أعطى الوجود لغيره، ولو لم يكن حكيما بذاته لما أعطى الحكمة لغيره، ولو لم يكن حيا بذاته لما أعطى الحياة لغيره، وكذلك لو أنه لم يكن سميعا بذاته لما أعطي السمع لغيره، ولو أنه لم يكن قويا بذاته لما أعطى القوة لغيره، وهكذا. وعلى هذا يكون حصر الصفات الذاتية لله تعالى في ثلاث صفات فقط أمر يحط من شأن الله تعالى، ولا قيمة للقول بأن صفاته الأخرى هي مجرد صفات أعمال أو صفات عامة.

سادسا: قد يقول القمص إن العقل عليم بذاته، فهو مصدر العلم، ولما كان كل من السمع والبصر ليس إلا وسيلة لاكتساب العلم، يكون العقل بصيرا بغير أن يحتاج إلى وسيلة للبصر، كما أنه يكون سميعا بغير أن يحتاج إلى وسيلة للسمع. ولكن إذا كان من الممكن أن يكون العقل عليما بذاته، فلماذا لا يمكن للوجود أن يكون عليما بذاته أيضا بغير أن يحتاج إلى العقل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت