فهرس الكتاب

الصفحة 7592 من 27345

وأجدني مضطرا ، قبل تفصيل الرد على عقائدة هذه الهيئة الضالّة ، أن ألقي الضوء على تطور المذهب الشيعي في جانبه السياسي ، مع ربط ذلك بالمخطط الغربي الذي نعيش أحداثه العاصفة ساعتنا هذه:

علاقة التشيّع بالمخطط الغربي لتقسيم دول المنطقة:

كان الجانب السياسي لدى الشيعة يسيطر عليه عقيدة"الغيبة والإنتظار"، طيلة قرون مضت ، إذ كانت عقيدة الإمامية قائمة على أن الإمام المعصوم المنصوص عليه هو الذي يتولى أمر الأمة ، وأن الأرض لايجوز أن تخلو من إمام معين من قبل الله تعالى ، فليس في الأمر شوى ولا انتخاب ، بل كل النشاط السياسي برمته في الدولة ، لايجوز أن يقوده إلا الإمام المعصوم حتى من الخطأ والنسيان ، وما على غيره من الرعيّة إلا الإنقياد التام فحسب ، ولهذا فليس في العقيدة الشيعية السياسية في الأصل شورى ، ولا رقابة على سلطة ، فضلا عن تداولها ، ولاتعترف العقيدة الشيعية السياسية بأي دولة إلاّ دولة المعصوم أصلا ، فهو خوارج على كل نظام سياسي لايرجع إلى إمامة المعصوم أو النيابة عنه ، بأصل عقيدتهم !

ولمّا كان نصب الدولة ، والجهاد ، وإقامة الحدود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الجمعة .. إلخ ، وسائر الولايات السياسية تابعة لمنصب الإمام المعصوم ، وقد خلى هذا المنصب منذ أن اضطرت الشيعة لتفسير انقطاع تسلسل الإمامة ، بولادة ابن للحسن العسكري ، ثم غيابه ، وأنه المهدي المنتظر الغائب في السرداب ، فقد بقيت الشيعة خارج الحياة السياسية ، تسيطر عليها عقيدة الغيبة والإنتظار كما ذكرنا.

غير أنه قد تطور الفكر الشيعي بعد ذلك ، وحاول كثير من المفكّرين ، اقتحام السور المضروب على عقيدة الغيبة والإنتظار ، حتى وصل تطور الفكر السياسي إلى فكرة"ولاية الفقيه"التي كان الشيخ احمد بن محمد مهدي النراقي (توفي 1245هـ أول من دعا إليها ، في كتابه:(عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام) ، وبحث مشكلة الإمامة أو السلطة و الولاية العامة وضرورتها في (عصر الغيبة) وذلك على نفس الأسس الفلسفية والمبادئ التي توجب (الإمامة ) للأئمة المعصومين عندهم .

قال أحمد الكاتب في كتابه"تطور الفكر الشيعي": ولم يتوقف النراقي وهو يؤسس لشرعية (ولاية الفقيه الكبرى) التي تضاهي الإمامة العامة الكبرى ، عند شروط: (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) التي أدت بالأجيال الشيعية الامامية الأولى ، وخاصة بعد الحيرة التي أعقبت وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ظاهر ، إلى القول بفرضية وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ثم أدت بهم إلى القول بنظرية (التقية والانتظار) التي كانت تحرم الثورة والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة وتبيح الخمس والزكاة والأنفال وما إلى ذلك في (عصر الغيبة) .

وقام النراقي بإعطاء الفقهاء منصب (الإمامة الكبرى) ومسئولياتها العامة ، وقال بصراحة:· كلما كان للنبي والإمام فيه الولاية ، وكان لهم ، فللفقيه أيضا ذلك ، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما وقال:· ان كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بد من الإتيان به ولا مفر منه ، اما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور العباد والمعاش لواحد أو جماعة عليه ، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به ، أو شرعا من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم ، أو دليل آخر.. أو ورود الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعينٍ واحد أو جماعة ولا لغير معين ، أي واحد لا بعينه ، بل عُلمَ لا بدية الإتيان به أو الإذن فيه ، ولم يُعلم المأمور ولا المأذون فيه .. فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به .

ثم جاء الخميني فزاد في مبدأ ولاية الفقيه بضرورة الإمامة في عصر الغيبة ، وقال ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية ، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين، والعلم عنده تعالى وقال: · أية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة) مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟ واستشهد بقول السيدة فاطمة الزهراء (ع) في خطبتها المعروفة: ( والطاعة نظاما للملة والإمامة لمًا من الفرقة) كدليل على لزوم بقاء الولاية والرياسة العامة، وقال: ... أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة ، وان لم تجعل لشخص خاص ، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك ، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي... والعلة متحققة في زمن الغيبة ، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها أ.هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت