فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 27345

وقال رحمه الله:'والمقصود أن من نصب إمامًا، فأوجب طاعته مطلقًا اعتقادًا أو حالًا؛ فقد ضل في ذلك، كأئمة الضلال الرافضة الإمامية... وكذلك من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين في كل طريق من غير تخصيص ولا استثناء... وكذلك من دعا إلى اتباع إمام من أئمة العلم فيما قاله وأمر به ونهى عنه مطلقًا كالأئمة الأربعة، وكذلك من أمر بطاعة الملوك والأمراء والقضاة في كل ما يأمرون به وينهون عنه من غير تخصيص ولا استثناء' ومن يقرأ في كتب أهل العلم السابقين واللاحقين؛ فسيجدهم قد تواصوا بالعيب على التقليد ونعي أصحابه وذمهم.

ويعاني المصلحون دومًا من هذا الصنف من الناس الذين يقفون حجر عثرة في طريقهم باسم اتباع أقوال أهل العلم، يقول المنذر بن سعيد رحمه الله شاكيًا ما يلقاه من أمثال هؤلاء:

عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلًا هكذا قال مالك

فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك

فإن زدت قالوا قال سحنون قبله ومن لم يقل مقاله فهو آفك

فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعًا أنت قرن مماحك

وإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكًا في ذاك المسالك

وقد يعتذر البعض بأنه يسوغ له التقليد، وأن غيره يدرك مالا يدرك، وأنه لم يصل إلى مرتبة معرفة الأدلة ومناقشتها، فقد يسوغ له التقليد في ذات نفسه لكن: لما يجعل ذلك معيارًا يحكم به على الآخرين؛ فيضللهم، أو يخرجهم عن دائرة المنهج محتجًا بأقوال الرجال، وحين يناقش بالدليل الشرعي يقول: إنه ليس صاحب علم وفرضه أن يقلد؟!

ثانيًا:اعتبار واقع المجتمع معيارًا للمنهج ورفض كل وافد وجديد: تتفاوت مجتمعات المسلمين اليوم في مدى قربها أو بعدها عن الهدي الشرعي، ومدى سلامتها من البدع والمحدثات، وقد يتميز مجتمع منها بأنه أكثر محافظة وأقل ابتداعًا من غيره، فيشعر أهله أن الكثير مما يفد إليهم من سائر المجتمعات بدعة وانحراف، ويعطي الواقع المشاهد بعض المصداقية لهذه النظرة.

لكن قد تتحول القضية إلى اقتناع راسخ بأن أي وافد على هذا المجتمع، فذلك دليل انحرافه، فيرفض هؤلاء الكثير ممالم يألفوه بحجة أنه وافد، أو لم يكن يعرف من قبل، ولو قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [23] [سورة الزخرف] لكانوا أكثر واقعية مع أنفسهم. نعم: قد يكون هذا الوافد مخالفًا، فينبغي أن يرفض؛ لأنه مخالف للشرع، لا لأنه وافد، وقد يكون موافقًا للشرع، فكونه غير معروف لدى مجتمع معين، أو طبقة معينة من الناس مهما علا قدرهم، فليس مبررًا لرفضه.

ثالثًا:تعميم الحالات الاستثنائية: لكل قاعدة شواذ، والشذوذ يؤكد القاعدة كما يقال، وهو منطق يغيب عن أولئك الذين يأخذون موقفًا، أو صورة شاذة؛ ليعممونها على سائر الناس والمواقف . فحين يوجد شاب متدين، يسيء التعامل مع والديه، فهل يعني هذا أن نصم المتدينين جميعًا بذلك؟ وحين يوجد لدى أحد طلبة العلم جفاء وغلظة، فهل هذا يدل على أن الجفاء والغلظة، والقسوة صفة لازمة لطلاب العلم؟ إن العدل والموضوعية تقتضي منا: أن نضع النموذج الشاذ في إطاره الطبيعي، وأن لا ننطلق من مجرد موقف نراه؛ لنصدر حكمًا عامًا.

رابعًا:الخلط في المصطلحات الشرعية: هناك مصطلحات شرعية رتب الشرع عليها المدح والذم، والوجوب والتحريم، وبعضها مصطلحات عامة تحتاج للفقه في تنزيلها على الوقائع والمواقف، وقد يتكأ على مثل هذه المصطلحات، وينطلق منها، ويستثمر أثرها على الناس في تقرير ما يريده المرء باسم المنهج، ومن ذلك:

المصلحة: فالمصالح والمفاسد مصطلح شرعي يكثر الحديث عنه في كتب الأصول والمقاصد، بل قد ذهب البعض من أهل العلم إلى اعتبار أن الدين كله قائم على مراعاة المصالح والمفاسد، لكن البعض من الدعاة قد يقف مواقف ويعمل أعمالًا دعوية تخالف المنهج الشرعي، وحين يطالب بالحجة والبرهان لا يجد لنفسه مستندًا إلا أن المصلحة تقتضي هذا الأمر، وينسى هؤلاء أن المصلحة وصف شرعي لابد من تنزيله على مناطه الشرعي فعلًا، وليست لباسًا يلبسه من شاء على ما راق له من عمل... وأحيانًا قد يوصف العمل بأنه يترتب عليه مفاسد، وينسى هؤلاء أنه واجب شرعي، وأن المفاسد المعتبرة هي ما اعتبرها الشرع، إن الأصل الشرعي المستقر أنه يجب إنكار المنكر إلا إذا ترتب على إنكاره مفسدة؛ فالقاعدة والأصل وجوب الإنكار، وترتب المفسدة استثناء، فتحول الاستثناء عند البعض إلى قاعدة.

? الفتنة: قد جاءت نصوص الشرع بذمها وعيب أهلها والداعين إليها والساعي لإثارتها، لكن قد ينطلق اليوم الذين يسعون لتشويه سير الدعاة إلى الله عز وجل، والآمرين المعروف والناهين عن المنكر، من هذا المعنى المستقر، وهذا الرفض لدى جمهور المسلمين للفتن؛ ينطلقون من ذلك؛ ليحولوا جهد هؤلاء وبلائهم إلى جرم وضلال، وفي ظل هذا الزخم الهائل من التهم بإثارة الفتنة للدعاة إلى الله نسي الكثير من المسلمين، أو جهلوا المعاني الشرعية للفتنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت