تاسعًا: اعتبار المسائل الاجتهادية من المنهج: هناك مسائل مما يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف، ولا ينبغي أن تكون مجالًا وميدانًا للإنكار والتهارج، فضلًا عن التأثيم والتضليل، لكنك تجد البعض حين يتبنى اجتهادًا في مسألة ينطلق من هذا الاجتهاد ليلزم الأمة به، ويقرر أن هذا الأمر مما لا يسوغ خلافه، وأن المخالفة فيه دليل على انحراف في المنهج... ألسنا نرى أن البعض يتبنى اجتهادًا في مسألة من مسائل الوسائل الدعوية، والتي اختلف فيها أهل العلم في هذا العصر، فيتبنى رأيًا من هذه الآراء، ويحشد أقوال مؤيديه، ويطوي صفحًا عن الآراء الأخرى في المسألة وهو يعلم أنها تخالف رأيه وهي لعلماء يحترمهم، فيصور للقارئ أن هذه المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم: فأولئك الذين يخالفونه في اجتهاده منحرفون في منهجهم، بعيدون عما عليه السلف، فاقدون للورع والديانة... إنه من حق أي فرد أو جماعة تبني رأي في مسألة اجتهادية، لكن ذلك لا يمكن بحال أن ينقلها لتكون من قضايا المنهج، ومن ثم يوصم من خالف فيها بالانحراف والضلال، قال شيخ الإسلام رحمه الله:'وأيضًا فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين مالا يكفر مخالفه، بل ولا يفسق، بل ولا يأثم، مثل الخطأ في الفروع العملية'
عاشرًا: اعتبار التلازم بين الغيرة على المنهج، وحجم من يخرجون من دائرته:لاشك أن من مقتضيات خدمة المنهج الذب عنه، والدفاع عن حياضه، وكشف المتربصين الدوائر به. والرد على أهل البدع عند أهل السنة من أصول الدين، لكنه قد ساد لدى الناس مفهوم خاطئ يقتضي أنه يمكن الاستدلال على عظم غيرة المرء على الدين والعقيدة من خلال حجم أولئك الذين يستطيع الحكم عليهم بالخروج من المنهج والانحراف...إن الرد على المخالف منهج شرعي لا نقاش فيه، والمجاملة لأهل الأهواء تمييع للمنهج، لكن القسوة على الخلق، ونصب النفس حكمًا لتصيد الأخطاء والعثرات والزلات، والاجتهاد في البحث عن دليل إدانة على شخص أو جماعة تثبت خروجهم من دائرة السنة ليس بالضرورة غيرة محمودة على المنهج.
قال شيخ الإسلام رحمه الله:وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم إن لم يقصد فيه بيان الحق وهدى الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا'
حادي عشر: الخلط بين الخلاف في الأصل وفي تحقيق المناط: هناك فرق في المسائل الخلافية قد لا يتفطن له البعض من المختلفين، والغالب في الخلاف الدائر اليوم بين أهل السنة هو من هذا الباب، ألا وهو الخلاف في الأصل، أو في تحقيق المناط، فقد يتفق الجميع على أنه لا يكفر مسلم بكبيرة من الكبائر، ولايكفر إلا بما سماه الشرع كفرًا، فيجتهد أحدهم ويحكم بالكفر على معين لما ظهر له، فيكفره من خلال عمل موجب للكفر عند أهل السنة، فإن ذلك لا يجوز للآخر اتهامه بأنه يرى رأي الخوارج وينتحله. وهذا هو الشأن في الخلاف بين الأمة في سائر مسائل الفروع، فهم يتفقون على اتباع الدليل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل مسألة صغرت أم كبرت، لكن الخلاف قد ينشأ بينهم في تحديد ما هو مقتضى الدليل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أخطاء في المنهج للشيخ/ محمد الدويش