تزوج أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما، وولده عبد الله منها أول مولود للمسلمين بعد الهجرة. وكان فقيرًا لما تزوجها، ولكنه بعد ذلك جمع مما أفاء الله عليه من الجهاد ومن خمس الخمس ما يخص أمه منه، فكان يضرب له بأربعة أسهم: سهم له، وسهمين للحصان، وسهم لذي القربى أي لأمه، كما جمع من التجارة المبرورة، وصار له مالًا كثيرًا بلغ عند وفاته رضي الله عنه أكثر من ستين مليون درهم.
كان له أربع زوجات رضي الله عنهم أجمعين، وترك من الذرية واحدًا وعشرين من الذكور والإناث. وما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجًا.
كان كثير الصدقات، وقد أوصى له سبعة من الصحابة منهم عثمان وعبد الرحمن وابن مسعود وأبو العاص بن الربيع رضي الله عنهم، فكان ينفق على أبنائهم من ماله ويحفظ عليهم أموالهم. وكان له ألف غلام يؤدون إليه الخراج، فلا يدخل إلى بيته شيئًا من ذلك، ويتصدق به كله. ولما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ محا نفسه من الديوان، ورفض أن يأخذ العطاء الذي كان مخصصًا له من بيت المال.
كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة، فهاهو يقول: ( إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد، وإني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون ) 000
وهكذا سمى ولده عبد الله تيمنا بالشهيد عبد الله بن جحش
وسمى ولده المنذر تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو
وسمى ولده عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو
وسمى ولده حمزة تيمنا بالشهيد حمزة بن عبد المطلب
وسمى ولده جعفرًا تيمنا بالشهيد جعفر بن أبي طالب
وسمى ولده مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير
وسمى ولده خالدا تيمنا بالشهيد خالد بن سعيد
وهكذا أسماهم راجيا أن ينالوا الشهادة في يوم ما000
وكان ممن دافعوا عن عثمان رضي الله عنه، فلما كان يوم الجمل خرج مطالبًا بدم عثمان رضي الله عنه، فذكّره عليٌ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبره أنه يقاتل عليًا وهو ظالم له، فرجع عن القتال وكر راجعًا إلى المدينة، ومر بقوم الأحنف بن قيس وقد انعزلوا عن الفريقين، فاتبعه عمرو بن جرموز في طائفة من غواة بني تميم، فقتلوه غدرًا، وهو نائم في وادي السباع، وعمره يومها سبع وستون سنة، وكان في صدره رضي الله عنه أمثال العيون من الطعن والرمي من أثار المعارك التي خاضها في سبيل الله، فرثته زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل:
غَدَرَ ابن جرموز بفارس بهمة --- يومَ اللقاءِ وكان غر معرد
كم غمرةٍ قد خاضها لم يثنه --- عنها طرادك يا ابن فقع ِالعردد
ولما قتله ابن جرموز احتز رأسه وذهب به إلى عليّ رضي الله عنه، ليحصل له به حظوة عنده فاستأذن فقال عليّ: لا تأذنوا له وبشروه بالنار، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [بشر قاتل ابن صفية بالنار] ، ثم دخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير رضي الله عنه، فقبله الإمام وأمعن في البكاء وهو يقول: ( سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله ) .
وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنه وأخيه طلحة، ودعهما قائلا: ( إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم:( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ) 0ثم نظر إلى قبريهما وقال: ( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:( طلحة و الزبير، جاراي في الجنة ) 0000 فيروى أن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه في الحال.
كان توكله على الله سبب جوده وشجاعته وفدائيته، وحين كان يجود بروحه أوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه قائلا: ( إذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي ) وسأله عبد الله: ( أي مولى تعني ؟) فأجابه: ( الله، نعم المولى ونعم النصير) 0يقول عبد الله: ( فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه )
وقد قال فيه حسان بن ثابت:
أقام علي عهد النبي وهديه حواريه والقول بالفعل يعدل
أقام علي منهاجه وطريقه يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي يصول إذا ما كان يوم محجل
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها بأبيض سباق إلى الموت ترحل
له من رسول الله قربي قريبة ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذبَّ الزبير بسيفه عن المصطفي والله يعطي فبدل
كناؤك خير من فعال معاشر وفعلك يا ابن الهاشمية أفضل