كما أنها قد تكون سخطًا وعقابًا لمن أمن مكر الله وعذابه، فأعرض عن الآيات السمعية والعينية، والسعيد من وعظ بغيره، فبَادر بالتوبة والإنابة، ومسكين مسكين مسكين، من ظن أن الأمر بالتوبة لايشمله، أو حسب أنه مستثنى من جملة من قال الله لهم (وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ، إن أول من يطالب بالمبادرة من يرى أنه قائم بأمر الله محقق للتقوى والصلاح.
ثانيًا التذكير بسنة من سنن الله:
من سنن الله الماضية أن الناس إذا كثر فيهم الخبث، وسكت عنه الصالحون، أصابهم الله ببعض ذنوبهم، (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ~ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا) ، وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله أنهلِك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث) .
إن عقاب الله تعالى إذا هو أتى يعم فينال المسيء والمحسن، قال الله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) قال ابن قتيبة:"يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره، وقال عزوجل: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا) ، وقد تبين أن الله تعلى أغرق أمة نوح عليه السلام كلها وفيهم الأطفال والبهائم بذنوب البالغين، وأهلك قوم عاد بالريح العقيم، وثمود بالصاعقة، وقوم لوط بالحجارة، ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، وعذب بعذابهم الأطفال.. قال أنس بن مالك: إن الضب في جحره ليموت هزلًا بذنب ابن آدم، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر فقال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف) فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام.. فنال ذلك الجدب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.."ثم قال أبو محمد:"وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الأخبار، فكم من بلد فيه الصالحون والأبرار، والأطفال والصغار، أصابته الرجفة، فهلك به البر والفاجر، والمسيء والمحسن، والطفل والكبير ..."وعد مدنًا أصابتها الرجفة في زمانه يرحمه الله.
ثم ذكر خبر عبيدالله بن مروان مع ملك النوبة عندما فر هاربًا قال: قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي، فافترشته بها وأقمت ثلاثًا، فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا، فدخل علي رجل طوال أقنى حسن الوجه، فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا فقال: إني ملك وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله جل وعز إذ رفعه الله، ثم أقبل علي فقال لي: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: أجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا.
قال: فلم تطؤون الزروع بدوابكم، والفساد محرم عليكم في كتابكم؟
قلت: يفعل ذلك جهالنا.
قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم؟
فقلت: زال عنا الملك وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا.
فأطرق مليًا وجعل يقلب يده وينكت في الأرض ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله تعالى العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وانتم ببلدي فيصيبني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزودوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي.
قال: ففعلت ذلك". فهذا الرجل العاقل لاحظ هذه السنة فأمر هؤلاء بالرحيل."
ولا أجد تعليقًا على هذا أجدر من قول الله تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ~ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ، فسبيل النجاة هو الإصلاح وليس الصلاح فقط، وقد علم هذا عقلاء البشر.
ثالثًا: الهرج أعظم خطرًا من سائر الكوارث البشرية:
في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل القتل". وخطر الأخيرة هو الأكبر. ولسائل أن يقول كيف؟
منذ نحو عشر سنين، وتحديدًا منذ الانقلاب على شرع الله، وتنحية البرلمان الإسلامي الذي اختاره رجال العشائر، وإخوة الإسلام في أرض الجزائر، والأرزاء في تلك البقعة تترى، أصيبت البلاد بعدد من الكوارث، ومع ذلك لم يتجاوز عدد القتلى في هذه النكبات بما فيها الزلازل الثلاثة الأخيرة ثلاثة آلاف.