فهرس الكتاب

الصفحة 7801 من 27345

الأنبياء و المرسلون هم قدوة البشر في الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة: ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) و من طالع حياة سيد الأولين و الآخرين علم كيف كان صلى الله عليه و سلم يرقع ثوبه ، و يخصف نعله ، و يحلب شاته ، و ما شبع من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض ، و كان لربما ظل اليوم يتلوى لا يجد من الدقل ( رديء التمر ) ما يملأ بطنه ، و في غزوة الأحزاب ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ، و يمر على أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد في بيتهم النار ، طعامهم الأسودان: التمر و الماء ، و كان يقول:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار و المهاجرة". و عن عائشة - رضي الله عنها قالت:"إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي ينام عليه أدمًا حشوه ليف"، و أخرجت رضي الله عنها كساءً ملبدًا و إزارًا غليظًا فقالت:"قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذين".

الصالحون على درب الأنبياء ساروا:

و لما كان صلى الله عليه و سلم هو الأسوة و القدوة ، فقد سار على دربه الأفاضل ، فعن على - رضي الله عنه أنه قال: طوبى للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطًا ، و ترابها فراشًا ، و ماءها طيبًا ، و الكتاب شعارًا ، و الدعاء دثارًا ، و رفضوا الدنيا رفضًا . و كتب أبو الدرداء إلى بعض إخوانه ، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله ، و الزهد في الدنيا ، و الرغبة فيما عند الله ، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله لرغبتك فيما عنده ، و أحبك الناس لتركك لهم دنياهم، و السلام.

و عن عروة بن الزبير أن أم المؤمنين عائشة جاءها يومًا من عند معاوية ثمانون ألفًا ، فما أمسى عندها درهم ، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحمًا بدرهم ؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت .

و قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: الدنيا دار من لا دار له ، و مال من لا مال له ، و لها يجمع من لا علم له . و لما قدم عمر - رضي الله عنه - الشام تلقاه الجنود و عليه إزار و خفان و عمامة ، و هو آخذ برأس راحلته يخوض الماء ، فقالوا: يا أمير المؤمنين ، يلقاك الجنود و بطارقة الشام و أنت على حالتك هذه ، فقال:"إنا قوم أعزنا الله بالإسلام ، فلن نلتمس العز بغيره".

و دخل رجل على أبي ذر - رضي الله عنه - فجعل يقلب بصره في بيته ، فقال يا أبا ذر: ما أرى في بيتك متاعًا ، ولا أثاثًا ، فقال: إن لنا بيتًا نوجه إليه صالح متاعنا و قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه .

وكان عمرو بن العاص - رضي الله عنه- يخطب بمصر و يقول: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه و سلم ، أما هو فكان أزهد الناس في الدنيا و أما أنتم فأرغب الناس فيها . و قال على - رضي الله عنه - تزوجت فاطمة ومالي و لها فراش إلا جلد كبش ، كنا ننام عليه بالليل ، و نعلف عليه الناضح ( البعير ) بالنهار ومالي خادم غيرها ، و لقد كانت تعجن ، و إن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها . و لما حضرت الوفاة معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا و طول البقاء فيها لكرى الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، و لكن لظمأ الهواجر ، و مكابدة الساعات ، و مزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر . و قد ذكر الإمام أحمد أن أفضل التابعين علمًا سعيد بن المسيب ، أما أفضلهم على جهة العموم و الجملة فأويس القرني ، و كان أويس يقول: توسدوا الموت إذا نمتم و اجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم ، و قال مالك بن دينار: يعمد أحدهم فيتزوج ديباجة الحي ( فاتنة الحي ) ، فتقول: أريد مرطًا ( أكسية من صوف ) فتمرط دينه ( أى تذهب به ) . و كان كثير من السلف يعرض لهم بالمال الحلال ، فيقولون: لا نأخذه ، نخاف أن يفسد علينا ديننا ، و كان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته و كسب حبتين قام ، و كان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ، و خلف أربعمائة دينار ، و قال: إنما تركتها لأصون بها عرضي وديني . و قال سفيان الثورى: الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباءة . و قال الشافعي في ذم الدنيا و التمسك بها:

و ما هى إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها ...

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وان تجتذبها نازعتك كلابها ... وكان أبو سليمان الداراني يقول: كل ما شغلك عن الله ، من أهل ومال وولد فهو مشؤوم

طويت الدنيا عمن هم أفضل منا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت