فهرس الكتاب

الصفحة 7837 من 27345

وأما السبب السادس: تورّط الزوج في المحرمات من قروض ربوية تلاحقه، أو إدمان المخدرات والمسكرات، وما يعقبه أحيانًا من سجن ونحوه، فهذا يجعل العبء على المرأة كبيرًا وثقيلًا، وخصوصًا إذا كان الزوج لا يحمل في قلبه مسؤولية البيت، ولا هم معيشة الأولاد أو رعايتهم.

كتبت إحداهن عن نفسها فقالت:"عشت مع زوجي في بداية حياتنا حياة هانئة، فزوجي الحنون الكريم تغيّر بعد سنة واحدة من الزواج، وكنت قد أنجبت طفلتي الأولى.. ومن بين دموعها تضيف عائشة: لقد دخل زوجي عالم المخدرات من خلال الصحبة السيئة التي كان يقضي معها معظم وقته؛ إذ صار راتبه مخصصًا لهذه الآفة..، عندها وجدت نفسي مضطرة لأن أقوم بالنفقة على البيت، وذلك بعد أن حاولت إقناعه بدخول المستشفى للعلاج لكنه رفض ذلك تمامًا.. وبقلب مؤمن ورضا تقول عائشة: إنني أحمد ربي وأشكره لأن راتبي كبير بحيث يكفي لجميع نفقات البيت بالإضافة إلى مرتب الخادمة، وتضيف أنا راضية بقدري وهو مع هذا السوء أفضل من الطلاق الذي نصحني به البعض"!!

ونحن نقول: ماذا عمّن ليس لها راتب كبير أو ليس لها راتب إطلاقًا!!

وأما السبب السابع: الظروف الطارئة من موت أومرض أو إعاقة، وهذا ظرف خاص له أحكامه الخاصة به، وليس موضع حديثنا؛ لعدم وجود عنصر الاختلاف فيه.

ولهذه الأسباب ونحوها أظهرت إحصائية في مدينة القاهرة أن 31% من أسرها تعولها النساء، وفي عمّان الأردن تصل نسبة النساء المنفقات على أسرهن إلى 20%.

ومعرفة الأسباب وواقع الإحصائيات يهيب بأهل الدراية والمسؤولية أن يلتفتوا إلى هذا الموضوع بجدية والعمل على كل الأصعدة.

لماذا وجبت النفقة على الزوج؟

والجواب يوجزه ابن قدامة قائلًا: هو أن المرأة محبوسة على الزوج ـ أي مقصورة عليه ـ يمنعها من التصرف والاكتساب، فلا بد أن ينفق عليها"المغني: 11/348."

وهذا منتهى العدل والضمان الحقيقي لحق المرأة المسلمة، فليس نفقة الزوج عليها من باب التفضل منه والمنّة عليها، وإنما هو من فضل الله الذي منحه إياه، وكتبه لها مقابل معاشرتها له بالمعروف، والقيام على إسعاده وراحته، وبهذا الانسجام في القيام بهذه الحقوق تعيش الأسرة المسلمة حياة سعيدة رغيدة.

وتأمل معي ـ يا رعاك الله ـ كيف شقيت المرأة الغربية حينما نزلت إلى حضيض الإهانة فابتذلت إنسانيتها فضلًا عن أنوثتها، وكسرت حياءها إلى أن قامت ليس بأعمال البشر، ولو كانت فاحشة وساء سبيلًا كالزنا، وإنما بأعمال الجمادات، فقد حدثني أحد الإخوة أنه حينما زار بلدًا أوروبيًا رأى في الأسواق ما يقف الإنسان العاقل أمامه مشدوهًا، إنها المرأة تقوم خلف زجاج المحلات التجارية مقام الدمى التي توضع عليها الملابس بكل أشكالها، حتى لتظن أنها من جمودها كأنها من الشمع، وإذا بها تتحرك بين الفترة والأخرى بحركات ترى أنها تثير إعجاب المتسوقين، فإذا انتهت فترة عملها، جاءت غيرها مكانها، وذهبت إلى منزلها بنفسٍ تحمل في ذاكرتها أنظار المتفرجين والمتفرجات بكل ما تعنيه من مهانة لها وإكبارٍ أو إسفاف لما ارتدته من أزياء، وكأني بها تقول في نفسها كما قالت عارضة الأزياء الفرنسية المشهورة:"إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرّد صنم متحرك مهمته العبث بالقلوب والعقول"، والتي أضافت قائلة:"عشت أتجوّل في العالم عارضة لأحدث خطوط الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور، ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل ولا حياء"وقد ختمت آهاتها المحرقة قائلة:"لم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي المفرغ إلا من الهواء والقسوة، بينما كنت أشعر بمهانة النظرات واحتقارهم لي شخصيًا واحترامهم لما أرتديه"، هذا ما قالته (فابيان) الفرنسية البالغة من العمر ثمانية وعشرين عامًا، وذلك بعد إسلامها وفرارها من ذلك الجحيم الذي لا يُطاق.

والمرأة المسلمة التقيّة حتى لو خرجت للعمل، فإنها خرجت لأداء رسالة يأمر بها دينها، وهي تعليم بنات جنسها دين ربها، أو معالجة أدوائهن، أو نشر الفضيلة عبر الصحافة النقية، أو المشاركة في أعمال البر والإحسان في مجتمعها بما لا يخلّ بحشمتها ولا يعرّضها للفتنة، وهي بتقواها وصلاحها تسعى ألاّ يؤثر هذا على سعادتها مع زوجها أو يقلل من رعايتها لأبنائها، ولو أخذ منها هذا أو ذاك جهدًا أكبر؛ لأنها تعلم علمًا يقينيًا أن الحياة جهاد، وما أجمله أن يُبذل لسعادة الأسرة ونهوض الأمة.

ولفتة أتمنى من الزوج صاحب النظرة الثاقبة البعيدة أن يلتفت إليها، وهي أننا نعلم بلا ريب أنك ترغب في زوجة لا تُنقِص من حقوق إسعادك شيئًا، ولكن هل لك أن تعذرها فيما يبدو منها من نقص في بعض حقوقك؟ فهي تظل بشرًا، وإذا علمت أن سبب تقصيرها هو عملها الشريف الذي تخدم به مجتمعك وأمتك، فهذا يشفع لها في غضّ النظر عما يبدر منها من تقصير، فلتكن عونًا لها، ولتكن عونًا لك؛ لتسير دفّة المنزل والمجتمع نحو السعادة والنجاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت