فيأنس المؤمن حين يرى آثار إبداع الله سبحانه وتعالى وعلمه وربوبيته وألوهيته أتم الأنس.
ولهذا جاء في صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
)ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا (.
· هذا مدير شركة أمريكية كبيرة جدًا، تجمعت له الأموال, والجاه, والمكانة, والوظيفة، ولكنه كان يشعر بشقاء مرير، ويأوي إلى الفراش؛ فيجلس ساعات يتقلب دون أن يصل النوم إلى عينيه، وقد أعجبه أن من ضمن العاملين العاديين في هذه الشركة شابًا عربيًا مسلمًا في وظيفة متوسطة، وراتب متواضع، لكن هذا الشاب دائم الإشراق والبشر والابتسام والضحك والسرور.
يأكل بسرور، وينام بسرور، ويأتي ويذهب طلق المحيا، لم يره يومًا من الأيام مُكفهرًا, أو مُقطبًا.
فأحضره في مكتبه.
وقال له: ما شأنك؟ لماذا أنت سعيد كل هذه السعادة؟!
قال له: والله لقد عرفت ربي، وعرفت دربي، وآمنت بالله عز وجل، ولذلك استرحت.
قال: هل لك أن تهديني, أو تدلني؟!
فأخذ بيده إلى أحد المراكز الإسلامية، وهناك تعرّف على الإسلام، وسمع كثيرًا من الشرح عنه، ثم لُقِّن: (أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) .
وما إن نطق بها لسانه حتى انهال في بكاءٍ مرير, ودموع حارة.
وقال: إنني شعرت بسعادة لم أشعر بها طيلة عمري!
· وهذا رجل آخر.
ذهب مع مجموعة من الدعاة إلى هناك.
هو لا يعرف شيئًا، ولكنه ـ لأول مرة ـ صاحبهم من باب التجربة.
فتأخروا عليه في السيارة؛ فنام في سيارته وهو ينتظرهم، وكان يراقبه من العمارة المجاورة رجل، فنزل إليه وطرق عليه باب السيارة ،ولما فتح له صافحه، ووجده لا يعرف اللغة الإنجليزية؛ فاستعان بمترجم وسأله:
من أنت؟
وما دينك؟
ولما وجد أنه مسلم.
قال: أريد أن أعرف السر أو الإكسير الذي يجعلك تنام في السيارة خلال نصف ساعة، بينما أنا تعوّدت أن أجلس ساعتين يوميًا قبل أن أظفر بنومة قليلة، يكدرها علي قلق وتوتر.
ثانيًا: السعادة والإيمان
لقد سجل الله في القرآن الكريم أن السعادة قرين الإيمان.
يقول الله جل وعلا:"الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ" [الأنعام:82] .
الأمن في قلوبهم وحياتهم ودنياهم وآخرتهم؛ ولذلك فإن المؤمنين كلما صح إيمانهم؛ قويت قلوبهم، وتمت سعادتهم.
وما أصاب الإنسان من نقص ذلك"فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" [الشورى:30] .
الأستاذ"بودلي"رجل غربي، عاش في الصحراء الغربية بين الأعراب, وارتدى زيهم, وأكل طعامهم, واشترى قطيعًا من الغنم يرعاه في الصحراء.
وكتب كتابًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم اسمه: ( الرسول) .
عاش التجربة الغربية، وعاش التجربة الإسلامية عند مسلمين بسطاء عاديين، ليسوا علماء, ولا متخصصين ولا طلبة علم؛ إنهم رعاة في الصحراء فماذا يقول؟
يقول: تعلمتُ من عرب الصحراء، كيف أتغلب على القلق؟
فهم يؤمنون بالقضاء والقدر، فيعيشون أوقاتهم بأمان، لكنهم لا يقفون مكتوفي الأيدي إزاء الكوارث التي يمكن أن تحل بهم.
يقول: هبت ذات يوم ريح عاصفة صحراوية رملية، فأهلكت كثيرًا من الغنم, وألقت ببعضها في الرمال، ولما هدأت العاصفة كنتُ في غاية الانفعال والتأثر، بينما وجدت هؤلاء الأعراب يركض بعضهم إلى بعض، وينادي بعضهم بعضًا, وهم يضحكون, ويهتفون بأغانيهم المعتادة, ويحمدون الله فيقولون: الحمد لله لقد بقي 40% من الأغنام لم تصب بأذى.
ولما رأوا تأثري؛ قالوا لي: إن الغضب والانفعال لا يصنع شيئًا، وهذا أمر كتبه الله وقدره وقضاه.
يقول: ومع ذلك وجدتهم يحاولون جهدهم أن يتخلصوا من آثار الكارثة، وأن يعالجوها بقدر الإمكان.
فهم يؤمنون بالقضاء والقدر، ولكن لا يفهمون أن القضاء والقدر معناه الاستسلام، وترك العمل، وترك الأسباب.
يقول: وسافرت معهم ذات مرة بسيارة في الصحراء، وفي وسط الصحراء القاحلة توقفنا؛ فإذا بأحد العجلات (إطار السيارة) قد انفجر؛ فغضبت!
فقالوا لي: الغضب لا يصنع شيئًا.
ومشت السيارة قليلًا على ثلاث عجلات، ثم توقفت؛ لنكتشف بعد ذلك أن الوقود قد انتهى!
ووجدتهم ينزلون من السيارة ويدعونها جانبًا، ثم يسيرون على أقدامهم، ويتقافزون مثل الظباء, بروح عالية, وسرور وبهجة وأنس، وهم يتناشدون الأشعار، ويتحدثون معي.
يقول هذا الرجل:
لقد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء أن الملتاثين، ومرضى النفوس، والسكيرين والمعربدين في أوروبا وأمريكا، ما هم إلا ضحايا المدنية الغربية، التي تتخذ من السرعة أساسًا لها.