{وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118] .
في هذه الآية الكريمة دليل على أن هنالك علاقة سببية بين الأقوال اللسانية والأحوال القلبية. فإذا ما تشابهت القلوب تشابهت الأقوال، ولا يلزم لذلك أن يأخذ اللاحق من السابق. كما قال ـ تعالى ـ:
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52 - 53] .
أتواصَوْا به؟ كلاَّ؛ فهم لم يَلْقَ بعضهم بعضًا، ولكن سبب التشابه في الأقوال هو الطغيان الذي في القلوب.
وبسبب هذا التلازم بين الأحوال القلبية والعبارات اللسانية كان من المتعذر على المنافق أن يخفي نفاقه. قال ـ تعالى ـ:
{وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30] .
بل إن القرآن الكريم ليدلنا على أن هذه العلاقة بين الظاهر والباطن سُنَّة عامة:
{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] .
في هذه الآية دليل على أن هنالك تلازمًا بين الإرادة والعمل. فمن ادعى أنه يريد عملًا معينًا وكان قادرًا على أن يأتي به أو بشيء منه ثم لم يفعل ذلك علمنا أنه كاذب في دعواه.
يذكِّرنا الإمام الشاطبي بأن هنالك علاقة لزوم بين معرفة الدين الحق واطِّراد السنن، أي أنه لو لم تكن السنن الكونية مطَّردة لما أمكن أن تعرف حقيقة الدين؛ لأنه إنما يعرف بالمعجزة التي تخرق العادة؛ فإذا لم تكن هنالك عادة مستمرة لم يكن هنالك ما يخرق.
ويذكِّرنا ـ رحمه الله ـ بأن اطراد التشريع مبني على اطراد السنن الكونية. أعني أنه لو كان خلق الناس وخلق الكون من حولهم في تغير مستمر لما أمكن أن يكون لهم تشريع ثابت لا يتغير. فثبات التشريع وعدم تغيره من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان دليل على أن من شرع لهم لا تتغير فطرهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع، وإن تغيرت بعض أحوالهم التي لا علاقة لها به (1) .
بقي من هذا الكلام سؤال نختم به هذا الحديث الموجز عن السنن الكونية: ما علاقة الأسباب بالخالق سبحانه وتعالى؟
افترق الناس في هذا إلى طرفين غالطين ووسط أصاب الصواب. وقف أصحاب الطرف الأول عند حدود الأسباب، واعتقدوا أنها هي التي تفعل بنفسها؛ فلا حاجة إلى افتراض خالق لها، وغفلوا عن حقيقة ماثلة أمامهم تقول: إنه لا يوجد في العالم سبب مستقل بفعل؛ فما من شيء ندعوه سببًا إلا وهو معتمد في فاعليته على أسباب أو شروط أخرى، تعتمد هي الأخرى على أسباب وشروط، فأنَّى يكون مستقلًا؟ وغلط مؤمنون فظنوا أن فاعلية الأسباب تتناقض مع خلق الله، فكأنهم ظنوا أنه إذا عُزي الفعل للسبب فلا يمكن أن يعزى إلى الخالق، ولذلك قالوا عن اطِّراد السنن التي يرونها ماثلة أمامهم بأن الله ـ تعالى ـ يخلق عندها لا بها، أي إذا رأيت الورقة أُلقيت في النار فاحترقت فلا تقل: إن النار أحرقتها، ولكن قل: إن الله أحرقها عند ملاقاتها للنار. قال أهل الحق: إن الله ـ تعالى ـ هو الذي خلق الأسباب وجعلها أسبابًا؛ ففاعليتها لا تدل على الاستغناء عنه، كما أنها لا تتناقض مع خلقه لها، بل إن من عادته ـ سبحانه ـ أن يخلق بالأسباب، ولذلك استعملت باء السببية في وصف كثير من الحوادث الطبيعية:
{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9] .
{وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام: 99] .
وكما استُعملت في القرآن باء السببية فقد استُعملت كذلك عبارات أخرى كثيرة تدل على السببية، لكن المجال ليس مجال تفصيل لهذا الأمر.
نكتفي بهذا الآن، ونستأنف الحديث بإذن الله ـ تعالى ـ في معايير أخرى من معايير العقلاء.
(1) انظر في تفصيل كل هذا كتابه (الموافقات) ، كتاب المقاصد، النوع الرابع، المسائل الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة. وقد عزا ـ رحمه الله ـ أول هذين الدليلين إلى الإمام الرازي يرحمه الله، ووصفه بأنه من أنبل الأدلة.