إننا إذا لم ننفر لهذا الدين بكليتنا فإنا - ورب البيت- نخشى أن ينالنا ذاك الوعيد الشديد- الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدًا- في قول ربك جل جلاله: إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [39] [سورة التوبة]
لنعد السؤال على أنفسنا مرة أخرى:كم يعيش الدين في حياتنا ؟ كم يشغل من مساحة اهتماماتنا ؟
هل أخذت يومًا كتاب الله فقرأته مستشعرًا أن الله جل جلاله يخاطبك ويتحدث إليك، أنت العبد الصغير القليل؟ أخي أي تكريم لك ذلك التكريم العلوي الجليل! أي رفعة لك يرفعها هذا التنزيل! أي مقام يتفضل به عليك خالقك الكريم!
هل جلست يومًا تربي نفسك بقراءة سيرة نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم الذي تحبه، والذي أحبكَ واشتاق إلى لقائك، نعم نبيك اشتاق إلى لقائك وقال: [ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا] قَالُوا أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: [ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ] رواه مسلم . فهل اشتقت إلى نبي اشتاق إليك ؟
هل نظرت وإياك إلى إخواننا الصالحين السابقين في الخيرات، الذين هم أكثر منّا جدًا في الطاعة، و نشاطًا في الدعوة، وتوقيرًا للسنة، هل نظرت إليه، فكيف كانت نظرتك؟
أما إني لا أتوقع منك أن تزدريهم، ولا أن تخذلهم، ولكن أحبهم تكن منهم، فالمرء مع من أحب، وذلك يستلزم نصرتهم والذب عن أعراضهم والتعاون معهم
أخي: هل بذلت جهدا في الدعوة ولو قليلا ؟ هل أهديت لقريب أو زميل شريطًا بعد أن سمعته؟ أو كتيبًا بعد أن قرأته؟
أخي: هذه المنكرات التي في مجتمعنا قد غص بها لم تنتشر في يوم وليلة، ولكن انتشرت لأن واحدًا فعل، وواحدًا سكت، وهما شريكان في صنع ذلك المنكر. فهل استشعرت وجوب مشاركتك في إزالة المنكر، وعلمت أنه لابد أن تكون مساهمًا في الإنكار.
أخي: إن في مجالسنا ومجتمعاتنا من يشوه على الناس مفاهيمهم، ويلبس عليهم دينهم، وينتقص أهل الصلاح منهم،
فهل وقفت منافحًا ومدافعًا بالتي هي أحسن؛ لأنك تعلم أن السكوت حينئذٍ خيانة للمبدأ، وجُبن في الدفاع عن الحق الذي تعتقده؟
أخي:لا تكتفي بالتعاطف مع الأخيار الأبرار، وترى ذلك فضلًا منك، بل يجب عليك أن تكون متعاطفًا ومتعاونًا أيضًا لأنك تعلم أن ذلك من مسئوليتك.
أخي: تذكر أنك بإيمانك ذو نسبٍ عريق ضارب في عمق الزمن، وأنك واحد من ذلك الموكب المبارك الذي يقوده ذلك الركب الطيب: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [92] [سورة الأنبياء] ..إن الظن بك حينئذ أن تكون معتزًا بإيمانك، واثقًا من نفسك، باذلًا لدينك ما يمكنك بذله، داعيًا لمبدئك وقضيتك، متميزًاَ عن غيرك ممن لايهتم بهذا كله، متميزًا عن السلبيين الذين نقول لهم:كفوا أذاكم عن الناس فهو صدقة منكم على أنفسكم.
قد اختارنا الله في دعوته وإنا سنمضي على سنته
فمنا الذين قضوا نحبهم ومنا الحفيظ على ذمته
أخي:
ستبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إشراقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد
أخي: لا أريد أن أهون الذنوب، فإنها إذا اجتمعت على الرجل أهلكته..لا أريد أن أهون الخطايا، فرب خطيئة كان عقابها طمس البصيرة.. ولكن أقول: لاينبغي أن تكون الذنوب خندقًا يحاصرنا عن العمل لهذا الدين.
أخي: هذا شجن من شجون أهاتف به قلبك الطيب، بنصح المحب، ومحبة الناصح.. وإن في إيمانك، ونقاء أعماقك ما يقنع فيك كل مريد الخير لك..والله أسأل أن يكلأك برعايته، ويحوطك بعنايته، ويهديك ويسددك.
من خطبة:' أخي الحبيب' للشيخ: عبد الوهاب الطريري