والحديث عن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقودنا إلى الحديث عن شخص رسول الله نفسه.. النبي، والقائد والمعلم.. عن علاقة المسلمين على مرّ العصور به .. عن محبتهم له .. عن عشقهم لأفعاله وكلماته .. وعن ردود الأفعال الإنسانية، وجدانية وسلوكية، تلك التي تصادت على مدار الزمن، مؤكدة أنه ما من أمة أحبّت رسولها، واقتدت به، كأمة الإسلام ، وأنه ـ أيضًا ـ ما من أمة كهذه الأمة لم تجرفها المحبة الطاغية إلى مواقع الشرك والتأليه والصنمية، وما كانت الاستثناءات بقادرة على أن تغطي على القاعدة ، أبدًا .. إنه ليس هناك من رجل ، يقول"فايس"،"مضى على وفاته أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، قد أصاب مثل هذا الحب، ومن قبل هذا العدد من الأفئدة، مثل ذلك إلى من يرقد تحت القبة العظيمة الخضراء. ومع ذلك فإنه لم يدع يومًا إلاّ أنه بشر، ولم ينسب المسلمون إليه الألوهية قط، كما فعل الكثيرون من أتباع الأنبياء الآخرين ( عليهم السلام ) بعد وفاة نبيهم. والحق أن القرآن نفسه يزخر بالآيات التي تؤكد إنسانية محمد - صلى الله عليه وسلم - .. ولا ريب في أن من حوله لم يحبوه مثل هذا الحب إلا لأنه لم يكن سوى بشر فحسب، ولأنه عاش كما يعيش سائر الناس، يتمتع بملذات الوجود البشري ويعاني آلامه. ولقد بقي هذا الحب بعد"
وفاته، وهو لا يزال حيًّا في قلوب أتباعه حتى اليوم كنشيد تعدد النغمات" (11) ."
هذا الموقف الإنساني الملتاع بالمحبة .. هذه الجلود المؤمنة التي تقشعر كلما
وجدت نفسها قبالة الرسول - صلى الله عليه وسلم-) بعقولها ووجدانها، وهو يقودها ويعلمها ويهديها .. هذه العيون التي تدمع كلها لجأت إلى نبي الله، تطلب من يده الحانية أن يكفكف بها دمع العيون ويمسح بها جرح القلب .. وما أغزرها وأعمقها في كل زمن ومكان.
هذه وتلك تحمل أهميتها القصوى ها هنا ونحن نتحدث عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- .. لأنها تعكس، بإقناع يكاد يكون كاملًا، كيف تمكن المسلمون من حماية سنة نبيهم من الضياع ، وكيف قدروا في الوقت نفسه على أن يعيشوها ويتمثلوها، بدرجة أو أخرى، فيتيحوا بذلك للإسلام نفسه أن يتحقق وأن يواصل الطريق ..
والآن وبعد مرور أربعة عشر قرنًا على لحاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى، واستقرار جسده الشريف في المدينة فإن"وجوده الروحي لا يزال حيًّا هنا كما كان يوم ذاك .. ولقد كان من أجله وحده أن أصبحت مجموعة القرى التي كانت تُدعى في ما مضى يثرب، مدينة أحبها المسلمون حتى يومنا هذا كما لم تُحب مدنية غيرها في أي مكان آخر من العالم. وليس لها حتى اسم خاص بها. فمنذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهي تعرف بمدينة النبي فحسب، وطيلة أكثر من ثلاثة عشر قرنًا التقت هنا سيول لا تُحصى من الحب، بحيث اكتسبت مع الأشكال والحركات نوعًا من التشابه العائلي، وجميع الفروق في المظاهر تتّحد في لحن مشترك واحد" (12) .
(1) الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة د. عمر فروخ، الطبعة السادسة ، دار العلم للملايين ، بيروت ـ 1965 م ، ص 88.
(2) نفسه ، ص 89.
(3) نفسه ، ص 87.
(4) نفسه ، ص 90 ـ 91.
(5) نفسه ، 94.
(6) نفسه ، 95.
(7) نفسه ، ص 92.
(8) نفسه ، ص 97.
(9) نفسه ، ص 106.
(11) نفسه ، ص 109.
(12) نفسه ، ص 297.