وفي ضوء ما ذكرنا ليس هناك فكر ديني، أو لغة دينية على النحو الذي يفهمه الغربي الذي يفصل بين المفاهيم.
وهكذا تختلف نظرة الفكر الإسلامي عن نظرة الفكر الغربي في أمور كثيرة: وفي مقدمتها البطولة وتقديرها والاحتفاء بها، فالإسلام لا ينظر إلى البطل أو العظيم بقدر ما ينظر إلى عمل البطل، ولذلك فهو حين يحتفي بالبطل يعيد الذكر والتقدير لعمله ويدعو إلى الانتفاع به، وهذا هو السر الحقيقي وراء انصراف الإسلام عن الصور والتماثيل كوسائل لتكريم الأبطال.
ذلك أن تلك الأسماء الكثيرة التي تتردد في الغرب على أنها آلهة وأنصاف آلهة، مما اورده اليونان والرومان وغيرهم، لم تكن في الأصل إلا أبطالًا أعجبت بهم أممهم وتعلقت بهم ثم شاءت بعد ذلك أن ترفعهم من مقامهم الإنساني إلى مقام الآلهة. ثم هي لم تلبث أن انصرفت عن مفهوم التقدير العملي لعمل البطل إلى عبادة البطل نفسه، وبذلك نشأت عبادة جديدة صرفت الناس عن عبادة الله الواحد الأحد، وقد أصبحت عبادة الأبطال وعبادة الجمال وتأليه البطل عبادات تتفق مع طبيعة النفس الغربية التي استمدت مفاهيمها في العصر الحديث من الوثنية اليونانية.
ومن هنا فقد حرص الإسلام على تحرير أهله من عبادة الفرد أو عبادة شئ ما، إلا الله سبحانه وتعالى، ومن هنا كان حرص القرآن على أن يصف أعظم شخصية في المسلمين وهو محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد) ، فالنبي بشر مؤيد بالوحي، يعيش ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويموت أيضًا، أما الله سبحانه وتعالى فإنه الحي الذي لا يموت. ومن هنا حفظ الإسلام مفهوم البطولة عن الانحراف إلى عبادة الفرد وحفظ عبادة الله من الوثنية والشرك. لقد رفع الإسلام عن الفكر البشري القيود وحرر العقل البشري من الأصفاد. ولم يجعل للأحجار والتماثيل والأصنام مكانًا في إيمانه القائم على التوحيد الخالص.
أنور الجندي