بل إن ميثاق"الأمم المتحدة"؛ طاغوت وقانون ليس كأي قانون وضعي عادي وليس هو مجرد وثيقة تأسيسية لمنظمة الأمم المتحدة؛ فقد جعله واضعوه أكبر من ذلك بكثير، إن خبراء القانون الدولي وفقهاؤه يعلنون بوضوح وصراحة؛ أن الميثاق هو أعلى مراتب المعاهدات الدولية، وأعظم قواعد القانون الدولي مكانة! ولذلك نصت المادة (103) من هذا الميثاق نفسه على أنه: (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق) .
ومعنى ذلك؛ أنه لا يجوز لأي دولة ملتزمة بهذا الميثاق أن تبرم أي اتفاق دولي أو تختار وتلتزم بشرع بينها وبين دولة أخرى تتعارض أحكامه مع القواعد والأحكام الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، ولو كان شرع الله العزيز الجبار!
فكل من انتسب إلى هذه المنظمة الخبيثة وتعهد بالالتزام بميثاقها وكذا كل من ينادي بالشرعية الدولية والالتزام بها واحترام قراراتها؛ يقر بهذا الكفر البواح صراحة أو بالإلزام شاء أم أبى.
ومعلوم أنه لا يمكن لأي دولة الإنتساب لعضوية الأمم المتحدة حتى تعلن التزامها واحترامها لهذا الميثاق وتسلم له تسليما... إذ أن إجراءات الانضمام للأمم المتحدة تتلخص في أن تقدم الدولة التي ترغب في الانضمام للأمم المتحدة طلبًا بذلك إلى الأمين العام للمنظمة الدولية ويكون ذلك الطلب مصحوبًا بإعلان قبول الإلتزام بميثاق الأمم المتحدة.
وكذلك الأمر بالنسبة للفصل من الأمم المتحدة، فإن"المادة السادسة"من الميثاق تنص على؛ أنّه يجوز للجمعية العامة أن تفصل عضوًا من الأعضاء إذا أمعن في انتهاك مبادئ الميثاق.
طبعا هذا البند قد يطبق على أي أحد إلا الدول الكبرى التي وضعت الأمم المتحدة لرعاية مصالحها أصلا، ولذلك فهي تتمتع بحق الفيتو الذي يضمن لها ذلك، وعلى رأسها أمريكا التي ترعى مصالح حليفتها إسرائيل من خلاله؛ بل إن الميثاق وأممه المتحدة قد أمست شرطيا يحرس مصالح هاتين الدولتين على كل صعيد، ولا يجادل في هذا حتى العميان.
وعلى كل حال؛ فهيئة الأمم المتحدة منظمة خاضعة للنفوذ اليهودي الصليبي منذ تأسيسها، ومن يراجع أقسامها وإداراتها وأسماء القائمين عليها يعرف هذا معرفة اليقين… وهي التي أشرفت على تقسيم فلسطين عام 1947م، وطعن هذه المنظمة وطعن إداراتها ومنظماتها المختلفة في دين الإسلام وشرائع القرآن بيّن واضح مكشوف، واسمها"الأمم المتحدة"من أعظم الأدلة على اتحاد وتناصر وتعاضد وتعاون المائة والتسعة وخمسين دولة المشتركة فيها!! فكل دولة تشارك فيها فهي متحدة مع أمم الكفر الأخرى على اختلاف مللها ونحلها ملتزمة - ولا بد - بميثاقها الكفري.
فالذين يطنطنون ويهرفون بالشرعية الدولية ويدعون إلى الالتزام بها واحترامها وتنفيذ قراراتها والالتزام بها يتعامون عن هذه الحقائق الدامغة والدواهي المدهية.
يقول الله تعالى: {إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنُطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم}
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه القيم"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن"في تفسير هذه الآيات:(اعلم؛ أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمّل هذه الآيات من سورة محمد وتدبّرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد، لأن كثيرًا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد، لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي صلى الله عليه وسلم من السنة.
فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزل الله؛ سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم؛ سنطيعكم في كل الأمر، كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزّل الله، فإن هؤلاء لاشك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنّهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه وأنّه محبط أعمالهم)أهـ.
أبو محمد المقدسي
شعبان 1423هـ
1)أنظر"الشرعية الدولية هل لها شرعية إسلامية؟"، للأستاذ عبد العزيز كامل، مجلة البيان العدد 102، صفر 1417 هـ، وقد استفدت منه في كلمتي هذه وجعلتها جوابا على التساؤلات التي أوردها في مقاله