وإذن فلابد أن نستفيد من الماضي ونعيش الحاضر ونستشرف المستقبل، ونعمل على علاج قضايا الناس وحل مشكلاتهم، معتمدين على النص الشرعي مع الاستشارة بالعقل، والنظر في المصالح، والعمل على تكثيرها، والقضاء على المفاسد وتقليلها في كل مجالات الحياة، فالأمر بالمعروف هو من الصفات الخيرة في هذه الأمة، قال تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" [آل عمران:110] ، وقال تعالى:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" [آل عمران:104] .
ولكن لابد من الحكمة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنظر في مجريات الأمور وما ينشأ عن هذا الأمر من تحقيق المصالح ودفع المفاسد، ولابد من الموازنة بين الخير والشر، وما يترتب على هذا التصرف من المآل والآثار، فليس كل منكر نراه نحمل عليه سيف التغيير والتبديل إلا بعد ما ننظر إلى ما يترتب عليه من أثر، فإذا كانت المفاسد المترتبة على التغيير أكثر فلا يجوز الإنكار، وإذا كانت المصالح أكبر وأرجح فلابد من الإنكار، فهذا يدركه أهل النظر والوعي وأهل الحكمة وأولي الأمر الذين يقدرون المفاسد ويدركون المصالح.
وهذا يتمثل فيما قاله الإمام سفيان الثوري رحمه الله: لا بد لمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر أن يتحقق فيه ثلاث: أن يكون عالمًا بما يأمر به، عالمًا بما ينهى عنه، عدلًا فيما يأمر به، عدلًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه.
ولقد أثر عن الإمام الجليل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رضي الله عنه -، أنه مر مع أصحابه على أناس من التتار الذين غزو بلاد الشام وكانوا سكارى، فأراد من كان مع الإمام التغيير عليهم فنهاهم الإمام؛ لأن أمامه مفسدتان: مفسدة شرب الخمر، وهي منكر، غير أنها جريمة قاصرة، والمفسدة الثانية قتل المسلمين وإزهاق أرواحهم وسفك دمائهم، ولهذا قال الإمام الجليل: دعوهم، إنما نهى الله عن الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء إنما تصدهم الخمر عن قتل المسلمين وإراقة دمائهم، ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من إراقة دم مسلم بغير حق.
ولقد أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال لعائشة: لولا أن قومك حدثا عهد بالكفر لهدمت الكعبة وأعدتها على قواعد إبراهيم عليه السلام، حيث يشمل الكعبة حجر إسماعيل ، ويكون لها بابان على وجه الأرض.
ومما يؤيد فقه الموازنات والمقارنة بين التصرف وعدمه ما قاله الله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" [الأنعام: 108] ، فسب الأصنام أمر مباح ولكن لما كان يؤدي إلى التعرض للذات العلية صار أمرًًا ممنوعًا.
ونحن أمة نعيش ضمن قرية كونية زالت فيها حواجز الزمان والمكان، وليس لنا من سبيل أن ننكفي على أنفسنا أو نتقوقع على ذاتنا، حيث لابد من تبادل المنافع ورعاية المصالح ومد الجسور مع الآخرين والتفاعل الإيجابي من غير أن تذوب شخصيتنا وخصوصية حضارتنا من غير انطواء أي أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها وممن جاء بها.
والحضارات تتقاسم أقدار من القيم، ولهذا لابد أن نأخذ بالنافع المفيد من اللباب والجوهر، ونعرض عن القشور وما يتنافى مع أخلاقنا وقيمنا، فقد اتصل المسلمون في صدر الإسلام وفي القرون الأولى بالدول المجاورة، وفتحوا نوافذهم على الأمم من حولهم، واستقبلوا الكتب وقاموا بالترجمة، ونشر المسلمون علومهم في شتى المعارف والثقافات حتى وصلوا بهذا عن طريق الأندلس إلى بلاد أوربا كفرنسا وغيرها، ولهذا حدث التفاعل الإيجابي بين المسلمين وغيرهم من اليونان والروم وفارس.
فأمة الإسلام وهي تعيش في هذا المنتدى البشري الذي نبحث فيه عن شراكة إنسانية يتجلى فيها التفاعل وحوار الحضارات والأخذ بالجديد المفيد الذي يقوم على الأخوة الإنسانية والكرامة الآدمية وعلى التبادل العادل للمصالح وعلى الحق والعدل، ولقد قال الخليفة الراشد علي - رضي الله عنه - لواليه على مصر (الناس صنفان أما أخ لك في الإسلام وأما نظير لك في الخلق أخوك في الإنسانية يفرط منه الخطأ والزلل وتغلب عليهم العلل ويؤتي على أيديهم من العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثلما تحب أن يعطيك الله من العفو والصفح، فإنك فوقهم ووالي الأمر فوقك والله فوق من ولاك"."