ويسخر من الرابطة الشرقية والدينية فيقول:"وإذا كانت الرابطة الشرقية سخافة فإن الرابطة الدينية وقاحة" [9] ويرى - كما يرى طه حسين - أن مصر أقرب إلى الغرب ، وعليها أن تتضامن معه وترتبط به فما لها وللهند ولجاوة ، عليها أن تتوجه إلى"السويسريين والإنجليز والنرويجيين هؤلاء النظاف الأذكياء" [10] .
ولا ينسى الرجل أن يكشف عن جهله بحماقة نادرة عندما يزعم أن العرب في الأصل ليسوا شرقيين ، وإنما أصبحوا كذلك"بتوغلهم في آسيا إلى حدود الصين ، وأيضا بعادة التسري وعادة الضرار - تعدد الزوجات - اللتين أجازهما لهم الإسلام ، فدخلهم دم آسيوي وخاصة صيني كثير ، فإن لفظة أَمَة بمعنى جارية هي لفظة صينية وقد دخلت اللغة العربية لكثرة الإماء التي كان يشتريها العرب من الصين" [11] .
هذه العبارة محشوة بالأكاذيب المكشوفة والمضحكة ولا تحتاج إلى رد ، وعلى التزويريين الذين يشيدون بسلامة موسى ويسبحون بحمده أن يخجلوا من أنفسهم لأن كلمة أَمَة وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية قبل أن يختلط العرب بالصين أو غيرهم [12] .
ثم يتابع الرجل صراحته"إن هذا الاعتقاد بأننا شرقيون قد بات عندنا كالمرض ، ولهذا المرض مضاعفات فنحن لا نكره الغربيين فقط ، ولا نتأفف من طغيان حضارتهم فقط ، بل يقوم بذهننا أنه يجب أن نكون على ولاء للثقافة العربية فندرس كتب العرب ، ونحفظ عباراتهم عن ظهر قلب - كما يفعل أدباؤنا المساكين أمثال المازني والرافعي - وندرس ابن الرومي ، ونبحث عن أصل المتنبي ونبحث عن علي ومعاوية ، ونفاضل بينهما، ونتعصب للجاحظ ونحاول أن نثبت أن العرب عرفوا الفنون ... وكل ذلك إنما يدفعه في أنفسنا كراهتنا للغرب، وأنفتنا من جهة ، واعتقادنا أننا شرقيون من جهة أخرى" [13] .
هكذا يصبح الاحتفاظ بالهوية مرض ، والاعتزاز بالذات داء يحتاج إلى علاج عند سلامة موسى ، والعلاج هو القضاء على التعصب المركوز في نفوسنا ، ولكن التعصب"المرض"هو التعصب للعرب أما التعصب للغرب فهو عين العافية ، وروح التحضر .
ويتابع الرجل مخلصًا !!:"إنه ليس علينا للعرب أي ولاء ، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب وبعثرة لقواهم ، فيجب أن نعودهم الكتابة بالأسلوب المصري الحديث ، لا بالأسلوب العربي القديم ، ويجب أن يعرفوا أننا أرقى من العرب ، وليس معنى هذا تحريم درس العرب وتاريخهم وثقافتهم ، فإن العرب أمة قديمة ، يجب أن يكون لها أثريون يدرسونها كما يدرسون آشور وبابل" [14] .
المصريون أرقى من العرب لماذا ؟ لأنهم يمتلكون الأهرامات والعرب لا أهرامات لديهم ، ولديهم فراعنة ولا فراعنة عند العرب ، والعرب أمة مندثرة تحتاج إلى أثريين ؟ ثم ماذا ؟ ثم:"إننا نحتاج الآن ما يهيج قلوبنا ، ويملؤها تفاؤلًا بالحياة ، ولن نجد ذلك إلا بارتباطنا بالغرب واصطناع ما عند الغربيين من رقص وألحان وموسيقى ، وأما الشعر العربي فقد سئمنا قوافيه الرتيبة التي تشبه دق الطبل عند السودانيين" [15] .
ويخطر في البال سؤال! أيهما الذي يهيج القلوب ؟ الشعر العربي أم الرقص الغربي ؟ وما صلة الرقص الغربي بالقلوب ؟ لقد أشار رفاعة الطهطاوي أن الرقص الغربي يتعاطونه على أنه لون من ألوان الرياضة والرشاقة والفن تتعاطاه المرأة في الحفلة الواحدة مع أعداد كبيرة من الرجال دون أي حرج فَصِلته بالأعضاء وليس بالقلوب [16] ، ولكن يبدو أن سلامة موسى لا يميز بين قلبه الذي يُحتَضَر، وأعضائه الأخرى التي تهيج عندما يشارك الغربيين في رقصهم ومجونهم .
وماذا أيضًا ؟: إنها اللغة التي يحفظها القرآن ، وتحفظ هي هوية الأمة من الانحلال والذوبان ، إنها بنظر سلامة موسى بدوية عاجزة ، وليست راقية كالإنجليزية"لغة بدوية لا تكاد تكفل الأداء إذا تعرضت لحالة مدنية راقية كتلك التي نعيش بين ظهرانيها الآن ، فها أنا ذا في غرفتي لا أعرف كيف أصف أثاثها بالعربية ، ولكني أستطع إجادة وصفها بالإنجليزية" [17] .
إنها لغة ميتة ، لغة القرون المظلمة ، لغة الشرق السخيف ، إنها كارثة"إن الفصحى في اعتقادي كانت لغة الكتابة فقط ، أي لغة ميتة حتى في زمن ظهور القرآن ، ولكن تعليم العربية في مصر لا يزال في أيدي الشيوخ الذين ينقعون أدمغتهم نقعًا في الثقافة العربية ، أي في ثقافة القرون المظلمة ، فلا رجاء لنا بإصلاح التعليم حتى نمنع هؤلاء الشيوخ منه ، ونسلمه للأفندية الذين ساروا شوطًا بعيدًا في الثقافة الحديثة ، ونحن إنما ننزع للغة العرب القديمة لما تأصل في أذهاننا من ذلك الفرض السخيف وهو أننا شرقيون يجب علينا أن نحافظ على كرامة العرب وندافع عن تاريخهم ، وهذا الاعتقاد في شرقيتنا يجر علينا عددًا من الكوارث قد لا يكون الولاء للغة أهونها" [18] .
لا شك أنه يقصد أن أعظمها هو الولاء للإسلام .