القرآن الكريم يقدم المثل الأعلى للإنصاف:إن إنصاف المرء أخاه في النسب أو الدين قد يكون أمرًا معقولا تقره الطبائع السليمة والفطر النقية ، أما إنصاف العدو وتبرئة ساحته مع مخالفته لنا في الدين فهذا ما لا يستطيعه إلا من تربى على مائدة الإسلام وتشبع بروح العدل والإنصاف التي جاء بها القرآن ، يقول أبو حيان في تفسير قول الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء:105] ،: ويتلخص سبب النزول في (( أن طعمة بن أبيرق سرق درعا في جراب فيه دقيق لقتادة بن النعمان ، وخبأها عند يهودي ، فحلف طعمة مالي بها علم ، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي ، فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمة ) ). فلما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقضاء في هذه المسألة نزلت الآيات الكريمة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيما* وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا*وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيما*يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطا*هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا*وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا *وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا*وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيم) [الآيات 105 ـ 113 من سورة النساء ] مبرءة ساحة هذا اليهودي ومنصفة . يقول بعض العلماء المعاصرين معلقا على هذه الواقعة: يالله ! إنه الإسلام وحده في تاريخ البشرية كله .. وغير الإسلام لم يكن ضميره ليتحرك لتبرئة متهم ينتمي إلى قوم بينه وبينهم كل ذلك العداء . ألا إنها القمة السامقة التي لا يقيمها ابتداء إلا الإسلام ، ولا يرقاها إلا المسلمون في كل التاريخ . لقد كانت كل الظروف (( مشجعة ) )على اتهام ذلك اليهودي وتبرئة ذلك المنافق الذي ينتمي ولو شكلا إلى الإسلام !. فالعداوة بين المسلمين واليهود قائمة في المدينة ،وكيد اليهود للمسلمين قائم واضح للعيان .إلا أن الإسلام ما جاء ليتستر على انحرافات البشرية أو يتسامح مع شيء منها ! وما جاء ليجاري الجاهليات فيما تقع فيه من انحراف . وإنما جاء لينشئ الإنسان الصالح في الأرض. إنها ليست حادثا عارضا يمر فينسى ، إنها درس هائل في التربية على الأفق الأعلى لا يقدمه إلا الإسلام ، و لا يقدر عليه إلا المسلمون، وإنه لدرس في التطبيق العملي للإنصاف الإلهي والعدل الرباني الذي لم تعرفه أمة في التاريخ ، إلا الأمة التي رباها القرآن الكريم ، تسع آيات كريمة تنزل لكشف ذلك المنافق الذي انضم إلى المشركين بعد فضحه ، ولتبرئة ساحة ذلك اليهودي ، وما كان الإسلام ليتألف قلب المنافق لأنه يحمل اسما مسلما على حساب الإنصاف والعدل الذي يريد إقامتهما في الأرض نبراسا لكل البشرية ... لقد ذهب ابن أبيرق مع الشيطان ، وبقي ذلك الدرس الرباني الخالد درسا وعاه المسلمون وحفظوه ، لتتعلمه البشرية منهم يوم تفيء إلى رشدها وتحب أن تعرف الطريق إلى ما فيه خيرها وسعادتها . ومع أن هؤلاء اليهود هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا إلا أن هذه العداوة لم تمنع القرآن الكريم من إنصافهم إن هم أحسنوا أو أحسن بعضهم ، ومن مظاهر هذا الإنصاف ثناؤه عز وجل على بني إسرائيل ثناء عظيما ، يبلغ بهم ذروة شاهقة من الرضا والتقدير ، كما قال تعالى: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف:159] . وقوله عز وجل من قائل: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] ، ثم في معظم الأحيان تبلغ حملته عليهم حدًا رهيبا من التقريع والتنديد ، والذم والتوبيخ والسبب في هذا الموقف القرآني هو الإنصاف التام ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وكل ذي باطل ما يستحقه ، فهو يمدحهم إن أحسنوا وأطاعوا ، وهو يذمهم إن عاندوا وشاقوا ، وقد كان