يذهب النبي فيدخل على أم حرام بنت مِلحان [اتفق العلماء على انها كانت من محارمه] ، فتطعمه، فدخل عليها رسول الله ، يومًا فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (( ناس من أمتي، عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج [وسط] البحر، ملوكًا على الأسِرّة، أو مثل الملوك على الأسرة ) )- يشك الراوي. يضحك النبي من ذلك لأنه رأى البشرى، رأى تلامذته وأتباعه وكتيبته، سيركبون البحار والمحيطات؛ غزاة في سبيل الله، ينشرون لا إله إلا الله في الآفاق، ويعبرون بها حدود الزمان والمكان. يضحك لأن الإسلام سوف ينتشر ويظهر، وينفذ إلى القفار والصحاري، ويصل إلى عباد البقر والشجر والنار والطوطم والصنم. فقالت المرأة: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك قالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله ) )، كما قال في الأولى قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (( أنت من الأولين ) ). فركبت أم حرام بن ملحان البحر في فتح قبرص، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت [البخاري ومسلم] . ماتت هذه المرأة الصالحة، وهي تجاهد في سبيل الله، فكانت شهيدة، ودفنت هناك في أرض غريبة. يضحك ممازحا ومواسيا أبا هريرة ففي هذا السياق، وفي هذا الباب، معنا حديث صحيح متصل، أخرجه الإمام البخاري، في باب: كيف كان عيش النبي وأصحابه، وتخليهم من الدنيا، من كتاب الرقاق، ذكر مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل. ثم مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي. عرف النبي أنه يحمل سرًا من الأسرار، عرف أن له حاجة، فتهلل في وجهه متبسمًا. تراه إذا ما جئته متهلّلًا كأنك تُعطيه الذي أنت سائله!! فقال: يا أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، ومضى، فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانة، قال: أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: - أي أبو هريرة - وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل، ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا أتته صدقة، بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتت هدية، أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة، أتقوى به، ولم يكن من طاعة الله، وطاعة رسوله بدٌ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروي، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسم، فقال: أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله، وسمى، وشرب الفضلة.
فالنبي كان يتبسم، لأنه يعلم ما يدور في نفس أبي هريرة، لقد تعرض لأبي بكر وعمر، من أجل أن يشبع فما شبع، ثم تعرض للرسول فأدخله البيت، ورأى اللبن وقلّته، ثم هو يأمره بأن ينادي أهل الصفة، فتتداعى كل هذه المعاني، أمام عينيه ، فيتبسم. ولكنه يريد أن يعلم أبا هريرة، ويعلم الأمة من ورائه مبدأ الإيثار، وتفقد الآخرين، والسؤال عن المساكين، فكان ضحكه ومداعبته، سلوى للمحرومين، وتسلية للمظلومين، وتصبيرًا للمعدمين. إن قومًا عاشوا معه، رأوا ابتسامته، وتحيته، ويسره، وسهولته، فتمنوا أن يفقدوا الآباء والأمهات والأبناء والأنفس، ولا يشاك هو بشوكة. إن جيلًا رباه المصطفى على هذه المعالم، وهذه التعاليم، لجديرٌ بأن يفتح المعمورة، وتدين له الدنيا كلها. وإذا قارنا بين هذه الصور المشرقة، وبين صور طغاة الأرض، فترى الواحد منهم عليه من الكبر والجبروت والظلمة، ما يجعله بغيضًا إلى النفوس. لقد رأينا ورأيتم كثيرًا من هؤلاء الطغاة ، وقد قيل عنهم: إنه ما رؤى أحدهم متبسمًا أبدًا، فهؤلاء نحاكمهم إلى المعصوم، ، وهو يضحك، ونأتي بهم ونوقفهم أمام التاريخ، تاريخ محمد ، ونسألهم أن يتقوا الله - عز وجل - في أنفسهم، وفي رعاياهم، فمحمد يضحك.
مزاحه ومداعبته صلى الله عليه وسلم: