فهرس الكتاب

الصفحة 8290 من 27345

وفي معرض بيان الحق جل وعلا لوجوه البر امتدح الصابرين في البأساء والضراء بالصدق والتقوى فقال (( .. والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) ) [ البقرة: 177 ] ، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم شكر المؤمن على السراء وصبره على الضراء بقوله: ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) 5 .

مصيبة الموت:

والمصائب تتفاوت أيضا في الشدة ، وليس ثمة مصيبة أشد وقعا على الإنسان من موت قريب أو عزيز ؛ فإن مصيبة الموت تهز الإنسان هزا عميقا ، وتفجعه بفراق الأحباب ، ولذلك كان الصبر حينها لازما وضروريا للمؤمن ، وكان غيابه مؤديا في كثير من الأحيان للوقوع في المحظور من القول أو الفعل المحرم ، أو موجبا للشرك أو للكفر والعياذ بالله ؛ كالنياحة التي حرمها الشرع ، وإطلاق ألفاظ السخط والسخرية على القدر ، وعدم الرضا بقضاء الله عز وجل .

وقد بشر الله سبحانه من يصبر على موت عزيز عليه بأن له الجنة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى: ما لعبدى المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) 6 .

مصيبة العمى:

ومن أشق المصائب على الإنسان في صحته فقد بصره . لذلك وعد الله عز وجل من صبر على هذه المصيبة أن يجزيه الله الجنة ، وقد ورد هذا الوعد الإلهي الصادق في الحديث القدسي الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يقول الله تعالى: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة ) 7 .

الصبر حين الغضب:

ومن المواقف التي يلزم فيها الصبر موقف الغضب ، فحين تستبد بالنفس سورة الغضب الشيطاني الجامح ؛ تفلت من عقال الضبط ، وتستجيب لدواعي الهوى والعناد والتعصب ونزغات الشيطان ، فتخرج عن حد الالتزام بالشرع ، وفي هذه المواقف تمتحن رجولة الرجال وكفاءة الأبطال ؛ فأما من وفق للسيطرة على نزعات النفس ودفع نزغات الشيطان ؛ فهو الرجل القوي الشديد الأمكن ، ولو ظهر أنه من أوساط الناس جسديا وعضليا . وأما من فقد السيطرة على نفسه فهو الأضعف ولو بدا قوي الجسم شديد البنية ، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس الشديد بالصرعة ، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) 8 .

ومن أنصع الأمثلة العملية على الصبر الذي تتجلى فيه القدرة على ضبط الانفعال ، وحسن قيادة النفس ، وتعزيتها بعبر السابقين ؛ قصة قسمة الغنائم عقب انتصار المسلمين في غزوة حنين ؛ إذ تألف النبي صلى الله عليه وسلم قلوب بعض الناس ، طمعا في إسلامهم ، فأعطاهم عطاء أكثر من غيرهم ، فقال أحد المسلمين: ( والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله ) ، فوصل ذلك القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فظهر عليه الغضب واعتصره الحزن والألم ، ولكنه صبّر نفسه ، وهو الرؤوف بالمؤمنين الرحيم بهم ، وكظم غيظه وقال: ( ومن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ) !! ثم قال متأسيا بأخيه موسى عليه السلام: ( رحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر ) 9 .

الصبر على مشاق الدعوة والجهاد:

ومن أعظم المواقف التي تتطلب صبرا عاليا ، ومقاومة شديدة ، وضبطا للنفس لا يقدر عليه إلا أهل اليقين الصامدون في خندق العقيدة ، والثابتون على طريق المبدأ ، مواقف الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله . ذلك أن إقامة الخلْق على العبودية لله عز وجل تكلفهم أن يخرجوا على هوى أنفسهم، وينعتقوا من أسر عاداتهم ، وما ورثوه عن آبائهم ، وما ألفوه في حياتهم من الطقوس والتقاليد الجاهلية ، وهذا ما يشق على النفوس ويستحيل على كثير من الناس أن يستجيبوا له ، فتراهم يغلقون على أنفسهم أبواب الاستجابة للدعوة ، ويتخذون من الدعاة موقف الضدية والمعاداة ، ويقطعون عليهم طريق التبليغ ، ويجتهدون في إيذائهم ومقاومة دعوتهم بما استطاعوا من وسائل الضغط والعنف والحرب الهوجاء .

ومن أمثلة ذلك ما صورته لنا عبارات هذا الحديث الشريف الذي يقول فيه الصحابي الجليل خباب رضي الله عنه: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( قد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه . والله ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) 10 .

الهوامش:

1.رواه مسلم عن صهيب بن سنان في كتاب الزهد ، باب المؤمن أمره كله خير، ( 2999 ) .

2.صحيح سنن الترمذي ( 2/285 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت