هناك اتفاق أو إجماع بأن الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء. فالأنبياء هم أصحاب الفضائل الكبرى، وليس في وسع أحد الوصول إلى مرتبتهم. ثم يأتي بعدهم الصحابة، ومع ذلك يمكن القول أن هناك صحابة يصلون في بعض الفضائل إلى مرتبة أنبياء بني إسرائيل وليس في جميع الفضائل. أكرر القول بأن بعض الصحابة قد يصلون في بعض الفضائل -وليس في كلها- إلى مرتبة بعض الأنبياء. وقد يقترب بعض الأولياء والأصفياء أمثال الشيخ الكيلاني والإمام الرباني ومحمد بهاء الدين النقشبندي في بعض الفضائل من بعض الصحابة على قاعدة "رجحان المرجوح على الراجح"، ولكن علماء الجمهور العظام أمثال أبي حنيفة والإمام الشافعي من الذين تنورت عقولهم وقلوبهم وأصبح كلامهم حجة في الدين يرون أن الفضيلة المطلقة تعود بعد الأنبياء إلى الصحابة الكرام [7] يقول الإمام الرباني السرهندي "فإنما حصل للأصحاب في أول صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصلاة والسلام بطريق اندراج النهاية في البداية قلما يحصل لكُمَّل الأولياء في النهاية، ولهذا كان الوحشي قاتل حمزة رضى الله عنه أفضل من أويس القرني الذي هو خير التابعين لنيله صحبة النبي صلى الله عليه و سلم مرة واحدة. سئل عبد الله بن المبارك: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله لَلغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلى الله عليه و سلم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرة. فينبغي أن يتأمل في أنه إذا كان بداية جماعة بحيث اندرجت فيها نهاية غيرهم ماذا تكون نهايتهم، وكيف يسعها إدراك الآخرين؟" [8]
3-العوامل التي علت بمنزلة الصحابة
ما سبب المنزلة السامية للصحابة الكرام؟ أ- العلاقة بالرسالة
السبب الأول يعود إلى وجود علاقة بين الصحابة وبين نبوة ورسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم. وبوفاة الرسول صلى الله عليه و سلم انسد باب النبوة، لذا لم يبق هناك سوى علاقة الولاية بين الرسول صلى الله عليه و سلم والأولياء الذين جاءوا من بعده. وبدرجة سمو النبوة على الولاية سمت مرتبة الصحابة على مرتبة الأولياء.
ب- موضوع الانصباغ
والثاني هو موضوع الانصباغ. فتواجد شخص في حضور شخص عظيم بضعة دقائق قد يفيده أكثر من قراءة مؤلفات ذلك الشخص العظيم لعدة ساعات. فالتواجد في المجلس شخصيًا والاستفادة من الصحبة بشكل مباشر وقريب لاسيما إن كان هذا مجلس الرسول صلى الله عليه و سلم.. مثل هذه الصحبة لا تغني أي قراءة في كتاب ذلك، لأن الإنسان المحظوظ بتلك الصحبة يسمع الرسول صلى الله عليه و سلم ويرى حركات يده ونظرات عينيه ويحس بالجو الروحي المشع في مجلسه. ولن يستطيع أحد أن يصل إلى هذا الجو من قراءة الكتاب. صحيح أن كل شخص يستطيع أن يقرأ حول صلاة الرسول صلى الله عليه و سلم وكيف كان يقف للصلاة وكيف كان يركع ويسجد، ولكن لا يوجد كتاب يستطيع أن ينقل الجو الحقيقي لصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وزفرات صدره في أثنائها والخشوع الذي كان يأخذ بالباب مشاهديه. لن يستطيع أي كتاب أن ينقل هذا الجو أبدًا، لذا فالذي لا يفهم معنى الانصباغ في جو هذه الصحبة لن يستطيع فهم الصحابة ولن يستطيع إدراك عظمتهم. فلبلوغ مرتبة الصحابة يجب تجاوز المكان والرجوع في الزمن 1400 سنة إلى الوراء والحضور في مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم قائلًا له: فديتك يا رسول الله بأبي وأمي.
ج- ديمومة اتباع الحق
والثالث أن حياتهم خلت من الكذب حتى في المزاح. ويصعب فهم هذا في يومنا الذي يختلط بعض الكذب بكلام أصدق الناس. كانوا آنذاك حديثي العهد بالإسلام.. أسلموا فانتقلوا من الكذب إلى الصدق، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن الظلام إلى النور، ولكي يصلوا إلى الجمال الذي وُعدوا به فقد ضحوا بأموالهم وأنفسهم عن طيب خاطر، وما كانوا على استعداد أن يفرطوا بهذه المنزلة التي حصلوا عليها بسعر غالٍ جدًا. وهؤلاء الذين تحلقوا حول مقام الصدق لرسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا بعيدين عن مقام الكذب الذي كان مقام مسليمة الكذاب، وما كانوا يرضون لأنفسهم أبدًا السقوط إلى تلك الهوة السحيقة.
أجل، لقد قطع الصحابة علاقتهم بدنيا الكذب وابتعدوا عنها وعن جميع المظاهر اللاأخلاقيه بسرعة على عزم أكيد بألا يرجعوا إليها مرة أخرى مهما كان الثمن.
وأظن أنه يصعب في أيامنا الحالية -التي راج فيها الكذب وسرى إلى السياسة واختلطت الأخلاق السيئة بالأخلاق الحميدة- فهم وإحساس هذا على الوجه الصحيح، لذا فمن الصعب فهم الصحابة وفهم عظمتهم الفهم الصحيح، وهذا قد يؤدي إلى خطأ كبير وهو خطأ حسبان الصحابة رجالًا مثلنا، أي عدم التمييز بين النجوم المتلألئة في السماء واليراع في الأرض.
د- الحيوية التي أوجدها الوحي