قال الإمام الشربيني رحمه الله:( يجب تقديمها أي الصلاة على الدفن و تأخيرها عن الغسل أو التيمم ... و يصلى عليه و هو في القبر ولا ينبش لذلك ... و إلى متى يصلى عليه فيه أوجه:
أحدها: أبدا فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة فمن بعدهم إلى اليوم . قال في المجموع: و قد اتفق الأصحاب على تضعيف هذا الوجه .
ثانيها: إلى ثلاثة أيام دون ما بعدها ، و به قال أبو حنيفة .
ثالثها: إلى شهر ، و به قال أحمد .
رابعها: ما بقي منه شيء في القبر فإن انمحقت أجزاؤه لم يصلَّ عليه ، و إن شك في الانمحاق فالأصل البقاء .
خامسها: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه - وهو المسلم البالغ العاقل الطاهر - يوم موته ) [ مغني المحتاج: 1 / 346 و قد ذكر هذه الأقوال عدا الأوّل أبو اسحاق الشيرازي رحمه الله في المهذّب: 1 / 134 ] .
قلتُ: هذه الأقوال يُسقِطُ بعضُها بعضًا ، و لا حُجَّةَ في بعضها على بَعضٍ ، و لا دليل يَصلُح على تحديد أو تَرجيح مدّةٍ دون أخرى ، بل غايةُ ما جُمعَ للانتصار لبَعضِها هو من قبيل الاتّفاق و ليس التحديد ، كما هو الحال في اشتراط العَدَد لصلاة الجُمُعة .
بل الأمر على إطلاقه ، فإذا شُرِعَت الصلاة على من دُفِن و لم يُصلَّ عليه ، شُرعت المبادرة إليها عند الاقتدار و الله أعلَم .
المسألة الرابعة: إذا كان الميّت مدفونًا في بَلَد المصلين عليه ، فليس لهم أن يُصلّوا عليه صلاة الغائب في بيوتهم ، بل عليهم التوجّه إلى قبره للصلاة عليه .
قال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي: ( و إن كان الميت معه في البلد لم يجز أن يصليَ عليه حتى يحضر عنده لأنه يمكنه الحضور ) [ المهذّب: 1 / 134 ] .
و قال ابن قدامة المقدسي: ( لو كان في البلد لم تجز الصلاة عليها مع غَيبَتِها عنه ) [ المغني: 2 / 195 ] .
و قال الإمام النووي رحمه الله في شرح كلام الشيرازي المتقدم: ( قطع المصنف و الجمهور: لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده لأن النبي صلى الله عليه وسلم « لم يصل على حاضر في البلد إلاّ بحضرته » ، و لأنه لا مشقة فيه بخلاف الغائب عن البلد ) [ المجموع: 5 / 206 ] .
فهذا مذهب الجمهور ، و لا دليل يُسلّم لمن خالفه ، و لا يُحتجُّ بوجود المشقّة أو احتمال وجودها للصلاة على الميت لمن لم يحضر جنازته أهل البلد في البيوت ، لأنّ المشقّة كما لم تمنع من دفنه فلا تمنع من شهود جنازته أو الصلاة عليه عند قبره .
قال الإمام شمس الدين ابن القيّم رحمه الله: ( لو جاز لكل مشغول و كل مشقوق عليه الترخيص ضاع الواجب و اضمحل بالكلية ) [ إعلام الموقعين: 2 / 130 ] .
و قال أيضًا في مَعرض كلامه عن رُخَص السفَر: ( مصالح الدنيا و الآخرة منوطةٌ بالتعب ، و لا راحة لمن لا تعب له بل على قدر التعب تكون الراحة فتناسبت الشريعة في أحكامها و مصالحها بحمد الله و مَنِّه ) [ إعلام الموقعين: 2 / 131 ] .
هذا ما تيسّر تحريره في موضوع السؤال ، و بالله التوفيق .