وقال العلامة ابن القيم: [ ومنها الدعاء بدعوى الجاهلية ، والتعزي بعزائهم ، كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها وللأنساب ، ومثله التعصب للمذاهب والطرائق والمشايخ ، وتفضيل بعضها على بعض ، بالهوى والعصبية ، وكونه منتسبًا إليه ، فيدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي عليه ، ويزن الناس به ، كل هذا من دعوى الجاهلية ] زاد المعاد في هدي خير العباد 2/471 .
وقال الزرقاني:[ واعلم أن هناك أفرادًا ، بل أقوامًا تعصبوا لآرائهم ومذاهبهم ، وزعموا أن من خالف هذه الآراء والمذاهب ، كان مبتدعًا متبعًا لهواه ، ولو كان متأولًا تأويلًا سائغًا ، يتسع له الدليل والبرهان كان رأيهم ومذهبهم هو المقياس والميزان ، أو كأنه الكتاب والسنة والإسلام ، وهكذا استزلهم الشيطان ، وأعماهم الغرور ، ولقد نجم عن هذه الغلطة الشنيعة ، أن تفرق كثير من المسلمين شيعًا وأحزابًا ، وكانوا حربًا على بعضهم وأعداءً ، وغاب عنهم أن الكتاب والسنة والإسلام ، أوسع من مذاهبهم وآرائهم ، وأن مذاهبهم وآرائهم أضيق من الكتاب والسنة والإسلام ، وأن في ميدان الحنيفية السمحة ، متسعًا لحرية الأفكار ، واختلاف الأنظار ، ما دام الجميع معتصمًا بحبل من الله ، ثم غاب عنهم أن الله تعالى يقول: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) سورة آل عمران، الآية 103 . ويقول جل ذكره: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) سورة الأنعام الآية 159 . ويقول تقدست أسماؤه:
( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) سورة آل عمران الآيات 105-106 . لمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن نتهم مسلمًا بالكفر أو البدعة والهوى ، لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري ، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور ، ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ، ثم احتملت الإيمان من وجه واحد ، حملت على أحسن المحامل ، وهو الإيمان وهذا موضوع مفروغ منه ، ومن التدليل عليه ، لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين ، عن هذا الأدب الإسلامي العظيم الذي يحفظ الوحدة ، ويحمي الأخوة ، ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ، ووجهه الجميل من السماحة واليسر ، واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية ، والمنازع المذهبية والمصالح البشرية ، ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة ، على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد ، والتأويل الرشيد ، ولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول الله بين أصحابه ، فما تنازعوا من أجله ، بل أخذ كل برأيه ، وهو يحترم الآخر ورأيه ، وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ولم يُعِبْ أحدًا منهم على رغم أنه يترتب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهادًا منه… ]مناهل العرفان 2/ 27.
وقال الإمام ابن عبد الهادي الحنبلي: ( وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب ) نصب الراية 1/355 ، وانظر أدب الاختلاف لمحمد عوامة ص 83 .
وقال العلامة ابن القيم في نونيته:
وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما
ثوب من الجهل المركب فوقه
وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة
واجعل شعارك خشية الرحمن مع ... يلقى الردى بمذمةٍ وهوان
ثوب التعصب بئست الثوبان
زينت بها الأعطاف والكتفان
نصح الرسول فحبذ الأمران
شرح قصيدة ابن القيم 1/ 124 .
وقد جعلت هذه الدراسة في مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة:
فالمقدمة ما قرأت .
وأما المبحث الأول فذكرت فيه الأحاديث الواردة في الطائفة الظاهرة .
وأما المبحث الثاني فبينت فيه تحريف الكاتب للمراد بأحاديث الطائفة الظاهرة .
وأما المبحث الثالث فبينت فيه محل الطائفة الظاهرة حسب الروايات الواردة ، وذكرت أقوال العلماء في ذلك .
وفي المبحث الرابع أبطلتُ دعوى الكاتب في تحريفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم
( فطوبى للغرباء ) .
وأما الخاتمة فقد ذكرت فيها منهاج الطائفة الظاهرة .
وختامًا أسأل الله أن يلهمنا أن نسلك طريق الحق والصواب ، وأن يجنبنا التعصب واتباع الهوى ، ويبعدنا عن التكبر والتعالي على عباد الله ، إنه خير مسؤول ، وصلى الله وسلم على الرسول وعلى آله وصحبه أجمعين .
ضحى يوم الأحد الخامس والعشرين من محرم الحرام سنة 1423 هـ وفق السابع من نيسان 2002 م .
كتبه الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه
أبوديس / بيت المقدس
المبحث الأول
الأحاديث الواردة في الطائفة الظاهرة