رابعًا: تحريم الظلم والتحذير منه:
في حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال: (( يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا... ) ).
قال النووي:" (( فلا تظالموا ) )هو بفتح التاء أي: لا تتظالموا، والمراد لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله تعالى: (( يا عبادي ) )، (( وجعلته بينكم محرمًا ) )وزيادة تغليظ في تحريمه".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه... ) )الحديث.
قال الحافظ:"قوله: (( لا يظلمه ) )هو خبر بمعنى الأمر، فإن ظلم المسلم للمسلم حرام".
قال أبو الليث السمرقندي:"ليس شيء من الذنوب أعظم من الظلم، لأن الذنب إذا كان بينك وبين الله تعالى فإنّ الله تعالى كريم يتجاوز عنك، فإذا كان الذنب بينك وبين العباد فلا حيلة لك سوى رضا الخصم، فينبغي للظالم أن يتوب من الظلم ويتحلّل من المظلوم في الدنيا، فإذا لم يقدر عليه فينبغي أن يستغفر له، ويدعو له فإنه يُرجى أن يحلّله بذلك".
أخرجه مسلم في البر والصلة (2577) .
شرح صحيح مسلم (16/132) .
أخرجه البخاري في المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم (2442) ، ومسلم في البر والصلة (2580) .
فتح الباري (5/117) .
تنبيه الغافلين (377) .
خامسًا: أنواع الظلم:
الظلم ثلاثة أنواع:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال: {إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ، وإياه قصد بقوله: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18] .
والثاني: ظلم بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ} إلى قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:40] ، وبقوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} [الشورى:42] .
والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ} [فاطر:32] ، وقوله: {ظَلَمْتُ نَفْسِى} [النمل:44] .
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس، فإن الإنسان أولَ ما يهمّ بالظلم فقد ظلم نفسه.
المفردات في غريب ألفاظ القرآن (315، 316) . انظر: نضرة النعيم (10/4873) .
سادسًا: من يقع الظلم في حقّهم:
الذين يقع في حقّهم الظلم خمسة:
الأول: ربّ العزة سبحانه، وذلك حين يشرَك به، إذ يقتضي العدل معرفة توحيده وأحكامه.
الثاني: قوى النفس، ويكون ذلك بعدم إنصاف العقل من الهوى، ويقتضي العدل أن يجعل الإنسان هواه مستسلِمًا لعقله، وقد قيل: أعدل الناس من أنصف عقله من هواه.
الثالث: أسلاف الإنسان، ويكون ذلك بترك وصاياهم وعدَم الدعاء لهم.
الرابع: من يعاملهم الإنسان من الأحياء، ويكون ذلك بالتقصير في أداء الحقوق، وعدم الإنصاف في المعاملات من بيع وشراء وجميع المعاوضات والإجارات.
الخامس: عامّة الناس إذا تولى الحكمَ بينهم، ويكون ذلك بالجور وعدم النصفة، وذلك في شأن الولاة والقضاة ومن إليهم.
نضرة النعيم (10/4873) .
سابعًا: أنواع الظلمة:
قال الراغب الأصفهاني:"وقد قال بعضهم: الظالم ثلاثة:"
الظالم الأعظم: وهو الذي لا يدخل تحت شريعة الله تعالى، وإياه عنى بقوله تعالى: {إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .
والأوسط: وهو الذي لا يلتزِم حكمَ السلطان.
والأصغر: هو الذي يتعطّل عن المكاسب والأعمال، فيأخذ منافعَ الناس ولا يعطيهم منفعةً، ومن خرج عن تعاطي العدل بالطبع وبالخلق والتصنّع والرياء والرغبة والرهبة فقد انسلخ عن الإنسانية، ومتى صار أهل كلّ صقع على ذلك فتهارشوا وتغالبوا وأكل قويّهم ضعيفَهم ولم يبق فيهم أثر قبول لمن يمنعهم ويصدّهم عن الفساد فقد تقدّم أن عادة الله سبحانه في أمثالهم إهلاكُهم وإفناؤهم واستئصالهم عن آخرهم"."
الذريعة إلى مكارم الشريعة (357-358) .
ثامنًا: أعظم الظلم:
قال تعالى: {إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: {الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسَه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) ).