فهرس الكتاب

الصفحة 8648 من 27345

ومن الإغراق في العاطفة ـ أيضًا ـ أن تكون هي الدافع الوحيد للعمل، أن يتجاوب المرء مع عاطفته، فيعمل عملًا، أو يتخذ قرارًا، أو يقف موقفًا، والدافع الأول والوحيد له هو العاطفة، لاغير،وهذا عنوان الفشل والانحراف في العواطف .

ومع عدم إهمالنا لدور العاطفة ومع أننا نرى أنه لا بد أن يدفع المرء إلى أي عمل، حماس، وعاطفة تتوقد في قلبه، ونرى أن من يفقد العاطفة لا يمكن أن يحمل الدافع لعمل وإنجاز - مع ذلك كله - فإنا نرى أن العاطفة وحدها حين تكون الدافع للعمل، فإنها ستقود إلى نتائج غير محمودة، ونرى أن التجاوب والإغراق في التفاعل مع العاطفة وحدها، أنه إهمال للطبيعة الإنسانية حتما، فقد خلق الله الإنسان بعقل وحلم وعاطفة، خلقه الله عز وجل بمشاعر وخصائص شتى، والموقف الذي يقفه المرء ينبغي أن يكون إفرازًا لتفاعل كل هذه الخصائص التي فطر الله عز وجل الإنسان عليها، أما حين يكون إفرازًا لعامل واحد فقط فهذا إغراق في العاطفة وغلو وتطرف .

الصورة الثالثة: العلاقات العاطفية

ومن الإغراق في العاطفة: العلاقات العاطفية التي قد تنشأ بين بعض الشباب، أو بعض الفتيات، فقد ينشأ بين شابين أو فتاتين علاقة ومحبة يتجاوز قدرها، وتعلو حرارتها حتى تتجاوز القدر الذي ينبغي أن تقف عنده، فتتحول إلى عاطفة جيَّاشة، وتتجاوز ذلك الدافع الأول الذي دفع إليها ألا وهو الحب في الله .

وهي صور ومواقف نراها جميعًا، وكثيرًا ما ترد إليَّ هذه الشكوى، إما سؤال في محاضرة، أو رسالة يحملها إليَّ البريد، وهي رسائل مؤثرة يحكي صاحبها معاناته مع هذا الجحيم الذي يعيشه من لأواء هذه العلاقة العاطفية ويبحث عن الخلاص والمخرج، والكثير من هؤلاء يطلب مني أن لا أنشر رسالته، مع أني أعرف أنه لن يُعرَف من وراء ذلك، لكن ما دمت قد استُؤمنت على ذلك، فلا يجوز أن تخون من ائتمنك، وإلا قرأت عليكم بعض تلك الرسائل التي تصوِّر لكم عمق المعاناة التي يعيشها مثل هذا الشاب .

قد تبدأ هذه العلاقة حبًّا في الله عز وجل ثم تتطور إلى حد يتجاوز بعد ذلك هذا القدر، تتحول إلى مشاعر عاطفية يُبديها فلان والآخر، ويحاول كل منهما أن يُغلَّف هذه العلاقة بغلاف الحب في الله، ويحاول أن يطعَّم هذا اللقاء بشيء من التواصي وشيء من التعاون على طاعة الله عز وجل، وهي مكائد وحيل نفسية شيطانية حتى يَغفُل عن الداء، والمحرك الأساس .

وحين تستحكم حينئذ يصعب ويَعُزُّ الفراق،فحين ترى زيدًا فأنت تنتظر قَطعًا أن يأتي عمرو، وحين يعتذر زيد عن المشاركة فهذا يعني بالضرورة أن يعتذر عمرو هو الآخر وليس ثمة سبب إلا أنه قد اعتذر، وحين يكون الأول مشغولًا مع والده، فسيكون الآخر مشغولًا مع والدته، وإن لم يكن كذلك فثمة شغل هنا أو هناك، والقضية تتحول إلى أن يربط مصيره بمصير فلان من الناس، حتى لا يصبر على فراقه، ولا عن لقائه، وهكذا الشأن أيضًا عند الفتيات.

إنها صورة من الإغراق في العاطفة والتجاوب معها، صورة تقود إلى نتائج خطيرة، صورة تجعل هذه العاطفة تُحجَبُ عن غير هذا الشاب، فلا يُحب في الله إلا من أحب هذا الرجل ولا يبغض في الله إلا من أبغض هذا الرجل، ويصبح هذا الرجل هو مقياسه والآخر يبادله الشعور نفسه، وأما أصحابه وخِلاَّنه وإخوانه فلم يعد لهم مكان فسيح في قلبه حيث

أتاه هواه قبل أن يعرف الهوى *** فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

فاستحكمت هذه العلاقة واستحكمت هذه المحبة حتى لم يعد في قلب كل واحد منهما مكان لغير صاحبه، ويكتشف أو يكتشفان الخطأ لكن بعد فوات الآوان، وحين يكون قد انساق مع هذه العاطفة وتجاوب معها فيصعب عليه التراجع حينئذ ويأتي يبثُّ الشكوى ويطرح السؤال كيف الخلاص؟ أشعر أنها ليست محبة خالصة لله، أشعر بعمق المأساة والمعاناة إلى غير ذلك .

لكنه حينئذ أصبح لا يطيق الصبر والفراق، فيبحث عن العلاج حين قد صَعُبَ عليه ذلك، ولو كان منطقيًّا، وجادًّا، وكان مقتصدًا في بذل المشاعر العاطفية والعبارات التي ترقق العاطفة، لاعتدل فيها.

نقول ذلك ونحن لا نرفض المحبة في الله، بل لا نرفض الطبيعة التي تجعل فلانًا من الناس يشعر بارتياح لصاحبه، ويشعر أنه يميل إليه أكثر من غيره من الناس وهذه فطرة فطر الله الناس عليها ( الأرواح جنود مجندة ) لكن أيضًا يبقى هذا بقدر معين محدود إذا تجاوزه تحول إلى مرض وداء ـ عافانا الله وإياكم ـ.

وما على من ابتُلِيَ بمثل هذه المشاعر إلا أن يقطع الطريق من أوله، حيث قد يصل إلى مرحلة قد يشق عليه الرجوع بعدها .

الصورة الرابعة: التربية العاطفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت