فهرس الكتاب

الصفحة 8699 من 27345

ومع هذه السياحة الشاملة لكل نبضات المسلم ، لا نراه إلا طالبًا للهداية الحقة في هذه العبودية الشاملة ، فنجده يكرر في كل صلاة قول الحق عز وجل ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ) مع أنه مسلم ومهتدي ويصلي ، إلا أنه من الفرض عليه أن يكرر هذه الآية من سورة الفاتحة في كل صلاة ؛ ذلك بأن الهداية للحق شيء ، والمضي والثبات على تلك الهداية شيء آخر . وعندما نردد ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ) إنما نطلب الثبات على الهداية ، والاستمرار عليها ، وعدم الحيدة عنها ، والتمسك بها ، بل والذود عنها .. لأن معترك الحياة والعيش بهذه المعاني بحق ، ليس بالأمر الهين ، ولا هو بسهل التحصيل ، ولا يُنال بترديد آيات دون الوعي بمقتضياتها . إن الصراط المستقيم الذي نطلب الهداية له كل مرة ، إنما يحتاج إلى دقة في السير عليه ، ويحتاج إلى وضوح في السير إليه ، ويحتاج إلى توفيق للاستمرار فيه . إن السير على هذا الصراط المستقيم يتطلب الحذر مما على جانبي الصراط ، فعلى جانبه الأول يكون الضلال والإضلال ، وعلى جانبه الأخر ثمة الغضب من الله تعالى ، والمسلم يسير بين هذا وهذا على صراط عليٍ مستقيم . فنحن في كل صلاة نقول: ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) يقول النبي عليه الصلاة والسلام"اليهود: مغضوب عليهم ، والنصارى: ضالون"أخرجه الإمام الترمذي . هذا هو الوصف لمن سار على جوانب الصراط ، وحاد بنفسه عن الطريق السوي . يقول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين ، انقسم الناس بهذه الآية إلى ثلاثة أقسام: 1. العالم بالحق العامل به ."وهو المنعم عليه الذي يزكي نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح". 2. العالم بالحق المتبع لهواه ."وهو المغضوب عليه ؛ لأنه علم بالحق وحاد عنه". 3. الجاهل بالحق ."وهو الضال ؛ لأنه لم يتبع الهدي المستقيم في معرفة الحق وضده". وفي كل صلاة يعيش المسلم هذه المعاني مجتمعة في هذه الآيات من سورة الفاتحة ، ويكررها مرات ومرات ، وتتوارد في نفسه صورٌ كثيرة لأهل الغضب ولأصحاب الضلال ؛ صورٌ من أهل الأهواء والجهل ، وصورُ من أهل الغباء وسوء العمل ، صورٌ من أهل الجهالة والبعد عن الصراط المستقيم . إن عيش المسلم وهو ينشد ربه هذه المعاني ، ويخشى أن يقع في ضدها من صور الغضب والضلال ، هذا الخوف والوجل ، يكون مصاحبا للمرء منا طوال حياته ، تارة يوفقه الله تعالى ، وتارة يُخذل ، بحسب قربه وبعده عن الصراط المستقيم ، وحسن السير إليه وعليه . وكما قال العارفون ( الأمر كله بين التوفيق والخذلان ) ، وهذا صحيح صحيح ، فكلما ارتكس العبد في الغفلة والمعاصي وفتات الحياة وهام فيها ، كلما كان رداء الخذلان له لباسا ، وحين يقترب وينصب ويرغب ، يجد التوفيق له سجية وعادة ، وخير اللباس التقوى . وأبدع الإمام ابن القيم رحمه الله حين استخرج أكبر وأخطر مرضين يصيبان العبد في سيره إلى الله ، وهما نتاج من الغضب والضلال ، وهما مرضي"الكبر ، والرياء"وقال بأنهما من أخطر الأمراض ، ومنهما تولد الأمراض الأخرى في قلب العبد . والكبر: بطر الحق وغمط الناس ، كما بينه الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام ، ورد الحق والتغاضي عنه ، واحتقار الناس وعدم إنزالهم منازلهم ، هما قرني هذا المرض الخطير الفتاك ، الذي يحرم صاحبه من دخول الجنة بوزن حبة خردل منه ! والرياء: العمل لغير الله بشكل عام ، وهو رأس بطلان الأعمال ، فتارة يكون بظاهر حسن من العمل وباطن سيء ، وتارة يكون بتملق واستعراض أمام العبيد ! ، وتارة يكون لجاه أو طلب منزلة في عيون وقلوب من أصلهم مني يمنى ! وبين قرني الكبر ورأس بطلان العمل يصارع المسلم طريقه ومجاهدته إلى الله ، ناشدا التوفيق ، طالبا عونه في البعد عن الخذلان ، معترك صعب طويل ، وما ثمة إلى باب الرب الرحيم يفتحته لعبد أطال الطرق ولم يمل . · من صور الخذلان أن يتعالى صاحب العلم على الناس بعلمه ، ويظن أنه على شيء ، والمسكين غفل أن صاحب العلم بحق هو المتواضع بحق مع الحق ومع الناس ، والمتعالي لا يليق له إلا الوصف بالجهل . · ومن صور الخذلان للعبد أن ينشط في الواجبات الفرعية ، ويكسل ويتغافل في الواجبات الأولية الرئيسة ، وعلى سبيل ضرب المثال ؛ ألم يقل الله تعالى في كتابه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) إهمال أهل المرء من زوجة وأولاد و والدين ونحوهما ، هل هو توفيق من الله أم خذلان ؟ ينشط المسلم مع إخوانه في الله ، وبيته تكثر فيه عناكب الشر بكل خيوطها ، ثم يقول: ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ) !! · ومن مظاهر الخذلان للمسلم أن يكون هاجرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت