فهرس الكتاب

الصفحة 8708 من 27345

ويناقش هذا الدليل: بعدم التسليم بأن الأمر للندب والنهي للتنزيه، خاصة في هذا الحديث الذي جاء فيه عدة تأكيدات، وهي صريحة على أن الأمر للوجوب والنهي للمنع ولا تقبل التأويل.

الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث النعمان"فأرجعه"قالوا فيدل بظاهره على صحة العطية، ولو لم تصح لم يصح الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأنه للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده.

مناقشة هذا الدليل: قال ابن حجر بعد سياقة للدليل السابق: وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله"فأرجعه"أي لا تمض الهبة المذكورة.

الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم:"أشهد على هذا غيري"قالوا: وهذا إذن بالإشهاد على ذلك، ولو كان حرامًا أو باطلًا لما قال هذا الكلام، وإنما امتنع - صلى الله عليه وسلم - أن يشهد لكونه الإمام، لأن من شأن الإمام أن يحكم لا أن يشهد.

مناقشة هذا الدليل: قال ابن حجر: لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه ... وأما قوله أشْهِد صيغة إذن فليس كذلك، بل هو توبيخ لما يدل عليه بقية ألفاظ الحديث.

الدليل الرابع: ما جاء في بعض روايات حديث النعمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبشير (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا ) قالوا: وهذا يدل على أن الأمر للاستحباب وأن النهي للتنزيه؛ لأن المقصود من التسوية بينهم في العطية استوائهم في البر والعطف.

مناقشة هذا الدليل: أن الحديث له ألفاظ أخرى تبين تلك الرواية، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإني لا أشهد على جور) ، وجاء في بعض الروايات بصفة الأمر، حيث قال - صلى الله عليه وسلم: (سو بينهم) .

الدليل الخامس: أن التفضيل عمل عدد من الصحابة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق في أدلة القول الثاني.

ويناقش بمثل ما نوقشت به أدلة القول الثاني.

الدليل السادس: أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله لتمليك الغير، جاز أن يُخرج بعض أولاده بالتمليك لبعضهم وقد نوقش هذا الدليل؛ بأنه قياس مع النص ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص.

القول الخامس: جواز التفضيل إن لم يقصد به المضارة، وهو قول عند الحنفية واستدلوا بما استدل به أصحاب القول الرابع، غير أن هؤلاء حملوها على الجواز أما عدم جوازه فيما إذا قصد به المضارة فلم أقف لهم على توجيه، غير أن المضارة بوجه عام محرمة مطلقًا لكل أحد، وهي بين الأقارب أشد تحريمًا، لا سيما إذا كانت بين الوالد وأولاده.

مناقشة هذا القول: بأن تخصيص عدم جواز التفضيل بقصد المضارة فقط لا دليل عليه.

الترجيح: بعد سياق أراء الفقهاء في هذه المسألة والنظر والتأمل في أدلة كل منها ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يترجح - والله أعلم - القول الأول، وذلك لعدة وجوه:

الوجه الأول: قوة أدلة هذا القول وتعددها وصحتها مع دلالتها دلالة صريحة على وجوب العدل والمنع من التفضيل، وضعف أدلة الأقوال الأخرى ومناقشتها بما يضعفها أو يبطلها.

الوجه الثاني: أن تفضيل بعد الأولاد على بعض وسيلة ظاهرة على وقوع العداوة بين الأب وأولاده المفضولين من ناحية وبين الأولاد بعضهم مع بعض من ناحية أخرى، فينتج عن ذلك قطيعة الرحم.

المسألة الثانية: عدل الأم بين أولادها في العطية:

عدل الأم بين أولادها في العطية مشروع كعدل الأب، لقوله - صلى الله عليه وسلم-:"أتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"فهي أحد الأبوين فهي ممنوعة من التفضيل والإيثار كالأب.

المسألة الثالثة: حكم العدل بين سائر القرابات:

لا يجب العدل بين سائر القرابات في العطية؛ لأن الأدلة إنما خصت الأولاد.

المسألة الرابعة: حكم الشهادة على تفضيل بعض الأولاد في العطية:

يحرم الشهادة على التفضيل أو التخصيص في العطية أداء أو تحملًا؛ لأن فيها إعانة على الإثم والعدوان.

المسألة الخامسة: حكم العقد والرجوع مع تفضيل بعض الأولاد في العطية:

عقد الأعطية مع المفاضلة يخير فيه المعطي بين إنفاذه ومساواة الباقين أو الرجوع فيه، فإن مات قبل المساواة فالقول الراجح أن للمفضولين الرجوع فيها وقسمتها ميراثًا بين الجميع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى التفضيل والتخصيص جورًا وظلمًا، والموت إلا يغير عن كونه جورًا وظلمًا فيجب رده كما أنه يجوز رجوع الأب فيما أعطاه لولده؛ لا لأسباب عارضة تمنعه، وإن ذلك مستثنى من عموم النهي عن الرجوع في الهبة أو العطية بدليل خاص، كما أن الأم حكمها حكم الأب في ذلك.

المسألة السادسة: كيفية العدل بين الأولاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت