4.أنه سبب لنيل المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ) ).
5.أنه قرين التوحيد في كتاب الله تعالى، وذلك لأن التوحيد أعظم العدل، كما أن الشرك أعظم الظلم، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ اله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18] .
قال ابن القيم:"فإن الشرك أظلم الظلم كما أن أعدل العدل التوحيد، فالعدل قرين التوحيد، والظلم قرين الشرك، ولهذا يجمع سبحانه بينهما، أما الأول ففي قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ} ، وأما الثاني فكقوله: تعالى: {إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ".
6.أنه سبب لقيام الدول والمجتمعات وسرّ استقرار حالها، قال ابن تيمية:"أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام".
بدائع الفوائد (3/674) .
قال ابن القيم في زاد المعاد (4/363) :"هذه القصة ذكرها أحمد في مسنده على إثر حديث رواه".
أخرجه مسلم في الإمارة (1827) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
الفوائد (ص 81) .
مجموع الفتاوى (28/146) .
ثالثًا: العدل الإلهي:
العدل من الصفات التي اتفقت الشرائع جميعها على وصف الله به، بل الناس جميعا من أتباع الكتب السماوية يقرون بالعدل الإلهي، قال ابن القيم:"أنه سبحانه العدل الذي لا يجور ولا يظلم ولا يخاف عبادُه منه ظلما، فهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر نبيٌ بخلافه أصلا".
فمن أسماء الله تعالى الحسنى العدل، فهو سبحانه متصف بالعدل المطلق، فهو عادل في أحكامه الدنيوية والأخروية، وهو عادل في حكمه الشرعي والقدري، قال ابن القيم شارحا لاسم العدل:"ذو العدل على حذف المضاف... وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل لكونه غالبا عليه مكرَّرا منه، كقولهم: رجلٌ صوْمٌ وعدْلٌ وزور وبابُه".
قال ابن القيم:"قوله: (( ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك ) )متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد، أحدهما: إثبات القدر وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضيه فيه لا انفكاك له عنها ولا حيلة له في دفعها، والثاني: أنه سبحانه عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم أو جهله أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، ومن هو غني عن كل شيء وكل شيء فقير إليه، ومن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده كما لم يخرج عن قدرته ومشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته".
فهو سبحانه إن عاقب فبعدله، وإن أثاب فبمحض فضله وجوده وكرمه، قال ابن القيم:"فلا تناقضُ حكمتُه رحمتَه، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته، ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله تعالى أن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء، ولا فرق أصلا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة".
والله تعالى لا يعذب الكفار يوم القيامة إلا بعد إقرارهم على أنفسهم، وشهادة الفطرة والوحي عليهم، قال ابن القيم:"إن الله سبحانه لكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحدا إلا بعد إرسال الرسول إليه وإن كان فاعلا لما يستحق به الذم والعقاب، فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما، إحداهما: ما فطره عليه وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره وحقه عليه لازم، والثانية: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله، فيقوم عليه شاهد الفطرة والشِّرعة، ويقر على نفسه بأنه كان كافرا، كما قال تعالى: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام:120] فلم ينفذ عليهم الحكم إلا بعد إقرارٍ وشاهدين، وهذا غاية العدل".
ومن كمال عدل الله تعالى أنه لا يظلم مثقال ذرة يوم القيامة، فهو سبحانه يحكم بين عباده ويعطي لكل ذي حق حقه بفضله وجوده ورحمته وكرمه، حقا أوجبه سبحانه على نفسه، ويعاقب كمن شاء بعدله، ولا يظلم أحدا من خلقه، فهو يعدل بينهم على تباعد أزمنتهم وأمكنتهم، وتنوع أوضاعهم وحالاتهم، واختلاف شرائعهم ومللهم، وتباين مستوياتهم وأعذارهم، ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه.