و قد صرَّح في مقام آخر باشتراط قيام الحجة على الجاهل قبل الحكم بكفره ، فقال رحمه الله: ( و الاستغاثة بالرسول ؛ بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أن يطلب منه ما يليق به ، و من نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به و إما مخطئ ضال و أما بالمعنى الذي نفاه الرسول عليه الصلاة و السلام فهي أيضًا مما يجب نفيها ، و من أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها ) [ الاستغاثة الكبرى: 1 / 298 ] .
و لولا الإطالة لتتبعت و جمعت الكثير من أقوال السلف و الخلف في تقرير العذر بالجهل في أصول الدين فضلًا عن فروعه ، و لكن بشرطه ، و حسبنا في هذا المقام ما قدَّمنا ، و هو المذهب الصحيح الذي تشهد له الأدلة النقلية و العقلية ، و منها:
أوَّلًا: ما رواه الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ - أي رزقه - اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ . قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ؛ فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ قَالَ مَخَافَتُكَ فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ ) .
و في رواية عند مسلم ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: ( أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَىَ نَفْسِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَىَ بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ، ثُمَّ اسْحَقُونِي ، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ ، فَواللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي ، لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا ، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ ، فَقَالَ لِلأَرْضِ: أَدِّ مَا أَخَذْتِ ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ . فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَىَ مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ ! أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ ! فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ ) .
قال الحافظ في الفتح: ( قال الخطابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له و هو منكر للبعث و القدرة على إحياء الموتى ؟ و الجواب: أنه لم ينكر البعث و إنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب ، و قد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله . قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك ) .
قال أبو محمد بن حزم: ( فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز و جلّ يقدر على جمع رماده و إحيائه ، و قد غفر الله له لإقراره ، و خوفه ، و جهله ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3 / 141 ] .
قلت: و ذهب بعض شراح الحديث إلى تأويل قوله: ( لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي ) فأبعد النجعة ، و صرف النص عن ظاهره بلا قرينة صارفة .
قال ابن حجر: ... و قال ابن الجوزي: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا، وإنما قيل: إن معنى قوله: ( لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي ) أي ضَيَّقَ ، و هي قوله: ( و من قُدِر عليه رزقه ) أي ضيق ، و أما قوله - في رواية -: ( لعلي أضل الله ) فمعناه لعلي أفوته ، يقال: ضل الشيء إذا فات و ذهب ، و هو كقوله: ( لا يضل ربي و لا ينسى ) و لعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه و خوفه كما غلط ذلك الآخر فقال أنت عبدي و أنا ربك ، و يكون قوله: ( لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ رَبِّي ) بتشديد الدال ؛ أي قدر علي أن يعذبني ليعذبني ، أو على أنه كان مثبتًا للصانع و كان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان . و أظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته و غلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ، و لم يقله قاصدا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل و الذاهل و الناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه ، و أبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر .اهـ.
قلت: و هذه التأويلات لا وجه لصرف ظاهر النص إليها ، و لا قرينة تدل عليها ، و إنَّما صار إليها من قال بها تحرُّجًا من القول بالعُذر بالجهل في أصول الدين ، فلجأ إلى التأويل ، و أبعدَ في الطلب .