فهرس الكتاب

الصفحة 8873 من 27345

حفاظ الفتاة على عفتها هو من الفطرة وليس خاصًّا بمريم ابنة عمران.

وعندما أحست مريم بالحمل يتحرك في أحشائها، يتحرك معه فزعها وحزنها، حتى إذا أجاءها المخاض تتأسف وتتحسر وتقول: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم ـ 23] .

وهي العفيفة الطاهرة تتمنى الموت بسبب ذنب لم تقترفه ولكنه حس الطهر والعفة، وهي تعلم أن ذلك هو إرادة الله ومشيئته.

وفي المشهد المقابل نجد الفتاة العصرية بدون حياء تتخلى عن عفتها جريئة وهي تفخر بخروجها وتحررها وتزهو بلهوها ومجونها، تقلد الفتاة الغربية المتحررة من كل القيود حتى من عذريتها، وأصبح من التحضر عند الفتاة المسلمة تعدد الصداقات وتنوع الخيانات، فانتفت العفة ورحل الحياء، وحل التبجح مكانه، وصار الحفاظ على العرض ضربًا من ألوان الجمود والانغلاق فتمارس الفتاة باسم الحرية ـ ما تشاء من فواحش، في حين نرى مريم حين تمنت الموت على غير شيء اقترفته غير الاستجابة لمشيئة ربها، ولكنه الإحساس بالطهر والعفة إحساس الفطرة.

عزيزتي الفتاة:

ليست العفة والطهر صفات خاصة بـ'مريم ابنة عمران، إن عفة الفتاة أعز ما تملك وإن عرضها أغلى ما تصون، وليس للحياة قيمة إن غاب الطهر عنها، وليس للفتاة وزن إن فرطت في شرفها ونقائها.

والفتاة التي تحافظ على عفتها تحس بعزة وفخر واطمئنان وثقة بالنفس غير أن الله سيرزقها الزوج الصالح ويجزيها خير الجزاء على حسن العمل {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ} [الرحمن ـ 60] .

أما المفرطة في عفتها فهي شاردة ضائعة لا يقر لها قرار ولا يطيب لها عيش، ولا تشعر بالثقة والاعتزاز بل شتات وضياع وسخط ويتحقق فيها قول الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا} ...

إن الفتاة المسلمة تزال في خير إن هي ابتعدت عن عدوى الحريات الزائفة والأفكار الخادعة ثم استقامت على تعاليم دينها.

لماذا العفة يا مريم العصر؟ [2]

عزيزتي مريم هذا العصر:

في هذا المقام سأعرض لك إذا اخترت طريق العفة إشراقات من النور مضيئة وإطلالات تبهج النفوس من القرآن والسنة المطهرة، ومنها سنستشف لماذا طريق العفة هو الطريق ولا طريق غيره للفتاة المسلمة؟

لأن العفة هي الحياء والحياء من الإيمان.

لأن العفة هي الفطرة السوية.

لأن العفة هي الحياة الطيبة.

لأن العفة هي الطريق إلى الرزق من الله بالزواج والمال أيضًا.

وقبل ذلك كله لأن العفة هي الطريق إلى رضا الله و إلى الجنة.

1ـ وإليك هذه الومضات القرآنية:

1ـ يقول الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33] .

هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا بالتعفف عن الحرام كما قال صلى الله عليه وسلم: 'يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء'.

عزيزتي الفتاة المسلمة .. لا تتوهمي أن طريق الشهوات هو الطريق الأسهل لإرضاء النفس والوصول إلى ما تتمنين، بل طريق العفة هو الطريق الأسهل والأضمن لهذا القصد. لماذا؟

لأن مع المتعفف عون من الله ووعد منه أيضا بالرزق والإغناء.

لقد تكفل الله بإغناء الرجال والنساء إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32] .

وقال صلى الله عليه وسلم: 'ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف'.

إذن فلا يقف الفقر عائقًا عن الزواج فالرزق بيد الله يزرق من يشاء بغير حساب فهل تستغني عن عون الله وكفالة الله لك بالرزق والإعفاف من أجل نزوة وشهوة سريعة تنفض في دقائق معدودة؟

2ـ يقول الله تعالى: {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء:25] قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهم بالفاحشة، {مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} يعني أخلاء، وقال الحسن البصري: يعني الصديق.

ثم تأتي الآيات بعد ذلك: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [27] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:27ـ28] .

إن الله يتلطف مع عباده ويريد لحياتهم الخير ويكرمهم ويطهر المجتمع ويحدد الصورة النظيفة الوحيدة التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء 'الزواج' وتصان نفوسهم بالزواج، وتحريم ما عدا ذلك من الصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت