فهرس الكتاب

الصفحة 8945 من 27345

الثالثة: أن يكون مسكوتًا عنها في شريعتنا، وفى هذه الحال اختلف علماء الأصول: هل نعمل بها، أو ندعها؟

والصحيح أنها شرع لنا، ودليل ذلك:

1-قوله تعالى: )أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده( [الأنعام: 90] .

2-قوله تعالى: )لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب( [يوسف: 111] .

وقد تطرّف في عيسى طائفتان:

الأولى: اليهود كذبوه، فقالوا: بأنه ولد زنى، وأنّ أمه من البغايا، وأنه ليس بنبي، وقتلوه شرعًا؛ أي: محكوم عليهم عند الله أنهم قتلوه في حكم الله الشرعي؛ لقوله تعالى عنهم: )إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم( [النساء: 157] ، وأما بالنسبة لحكم الله القدري؛ فقد كذبوا، وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه، ولكن شبه لهم، فقتلوا المشبّه لهم وصلبوه.

الثانية: النصارى قالوا: إنه ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وجعلوه إلهًا مع الله، وكذبوا فيما قالوا.

أما عقيدتنا نحن فيه: فنشهد أنه عبد الله ورسوله، وأن أمه صديقة؛ كما أخبر الله تعالى بذلك، وأنها أحصنت فرجها، وأنّها عذراء، ولكن مثله عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له: كن؛ فيكون.

وفي قوله:"عبدالله"، رد على النصارى.

وفي قوله:"ورسوله"، رد على اليهود.

قوله:"وكلمته ألقاها إلى مريم"، أطلق الله عليه كلمة؛ لأنه خلق بالكلمة عليه السلام؛ فالحديث ليس على ظاهره؛ إذ عيسى عليه السلام ليس كلمة؛ لأنه يأكل، ويشرب، ويبول، ويتغوط، وتجري عليه جميع الأحوال البشرية، قال الله تعالى: )إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون( [آل عمران: 59] .

وعيسى عليه السلام ليس كلمة الله؛ إذ إن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه، أما عيسى؛ فهو ذات بائنة عن الله - سبحانه - ، يذهب ويجيء، ويأكل الطعام ويشرب.

قوله:"ألقاها إلى مريم"، أي: وجّهها إليها بقوله: )كن فيكون (؛ كما قال تعالى: ) إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون( [آل عمران: 59] .

ومريم ابنة عمران ليست أخت موسى وهارون عليهما السلام كما يظنه بعض الناس، ولكن كما قال الرسول r كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم (1) ، فهارون أخو مريم، ليس هارون أخا موسى، بل هو آخر يسمى باسمه، وكذلك عمران سمي باسم أبي موسى.

قوله:"وروح منه"، أي: صار جسده عليه السلام بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله؛ أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم.

وعيسى عليه السلام ليس روحًا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: )ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام( [المائدة: 75] .

فبالنفخ صار جسدًا، وبالروح صار جسدًا وروحًا.

قوله:"منه"، هذه هي التي أضلّت النصارى، فظنوا أنه جزء من الله، فضلوا وأضلوا كثيرًا، ولكننا نقول: إن الله قد أعمى بصائركم؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؛ فمن المعلوم أن عيسى عليه السلام كان يأكل الطعام، وهذا شيء معروف، ومن المعلوم أيضًا أن اليهود يقولون: إنهم صلبوه، وهل يمكن لمن كان جزءًا من الرب أن ينفصل عن الرب ويأكل ويشرب ويدّعى أنه قتل وصلب؟

وعلى هذا تكون"من"للابتداء، وليس للتبعيض؛ فهي كقوله تعالى: )وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه( [الجاثية: 13] ؛ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزء من الله، وهذا لم يقل به أحد.

فقوله:"منه"؛ أي: روح صادرة من الله - عز وجل ـ، وليست جزءً من الله كما تزعم النصارى.

وأعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: العين القائمة بنفسها، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق؛ كقوله تعالى: )وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه ( [الجاثية: 13] ، وقوله تعالى: ) إن أرضي واسعة( [العنكبوت: 56] .

وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه، كقوله تعالى: )وطهر بيتي للطائفين ( [الحج: 26] ، وكقوله تعالى: ) ناقة الله وسقياها( [الشمس: 13] ، وهذا القسم مخلوق.

الثاني: أن يكون شيئًا مضافًا إلى عين مخلوقة يقوم بها، مثاله قوله تعالى: )وروح منه( [النساء: 171] ؛ فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزءً أو روحًا من الله؛ إذ أنّ هذه الروح حلت في عيسى عليه السلام، وهو عين منفصلة عن الله، وهذا القسم مخلوق أيضًا.

الثالث: أن يكون وصفًا غير مضاف إلى عين مخلوقة، مثال ذلك قوله تعالى: )إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي( [الأعراف: 144] ، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله لنفسه صفة؛ فهذه الصفة غير مخلوقة، وبهذا يتبين أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقسم غير مخلوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت