فهرس الكتاب

الصفحة 8985 من 27345

ولمّا رأيت من الشيخ انشراحًا ، عزمت وبعض زملائي على أنّ نتقدم إلى الشيخ بطلب دروس خاصّة في فنّ السياسة الشرعية ، فوجدنا منه ترحيبًا عجيبًا ، ولم نلبث أن حدّدنا الوقت والكتب ، وبدأنا القراءة على الشيخ .. فأنهينا عليه - بحمد الله - كتاب السياسة الشرعية ، للإمام أبي العبّاس ابن تيمية ، وكتاب: مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ، لأبي عبد الله البعلي ، والاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، لأبي الحسن البعلي ، وكتاب: الطرق الحكمية ، للعلامة ابن قيم الجوزية ، وكتبًا أخرى موسمية ، وبعض البحوث العلمية ، إضافة إلى بعض الكتب التي بدأناها ولم ننهها ، بسبب اشتداد المرض عليه رحمه الله ، ورفع الله درجته وأجزل الله مثوبته ..

كان هذا الدرس خاصًّا ، فلم يكن يحضره سوى بعض الزملاء - ومنهم الآن القضاة والأساتذة الأكاديميون ، و والله لقد كنّا نجد الشيخ - أحيانًا - واقفًا الباب ينتظرنا ! ويصرح لنا بمدى اهتمامه وحبه لهذا الدرس !

ومع ما يستفاد منه من التواضع والسمت الحسن ، كان مما يميز درس الشيخ - رحمه الله ورفع درجته وأجزل الله مثوبته - استحضاره السوابقَ القضائية والتاريخية ، مما له صلة بموضوع كثير من الدروس .. وهذا في حد ذاته ، مطلب أندر من الكبريت الأحمر كما يقال .. وفي ظلال هذه الجلسات العلمية التي تعقد في مكتبة الشيخ المنزلية ، كان المجال خصبًا للتعرّف على منهج الشيخ في البحث والترجيح ، والتطبيق الفقهي على الوقائع ..

فكان مما استفدناه منه في هذه الجلسات: أنَّ الشيخ - رحمه الله - لا يأبه بأي قول ليس له مستند من الكتاب والسنّة ، مهما كان قائله ، وهذا من آثار تتلمذه على الشيخ ابن باز رحمه الله ! و كان يرى أنَّ ابن باز رحمه الله هو مجدِّد فقه الحديث في الجزيرة العربية .. وحكى لنا - رحمه الله - بدايات اعتماده للأخذ بفقه أهل الحديث ، قائلًا: كنت أتردد على ورّاق بحي البطحاء بالرياض ، فوقع نظري ذات مرّة على كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ، للعلامة الشوكاني ، فلمّا تصفحته ، أُعجبت به كثيرًا ، فاشتريته واقتنيته ، ومن ثمّ تأثرت بمنهجه في الاستدلال .

وكان رحمه الله يحتفظ بنسخة من ( بلوغ المرام ، للحافظ ابن حجر رحمه الله ) عليها تعليقات الشيخ ابن باز رحمه الله ، وتصحيحاته وتعقيباته ، وبعضها بخط الشيخ ابن باز رحمه الله ، وكان يخرجه لنا إذا ما عرض لنا حديث للشيخ ابن باز تعقيب عليه .. فقد كان يستذكر تلك الأحاديث من بين بقية الأحاديث .. ومما استفدناه منه رحمه الله: أنَّ على طالب العلم أنّ لا يكون متذبذبا ، تتجاذبه الأقوال والآراء ، بل عليه أن لا يقبل قولًا إلا بحجة ، وإذا ثبت لديه القول بالحجة ، فلا ينتقل عنه إلا أن يتيقن حجة أقوى من حجته السابقة .. وكم في هذه الفائدة من فقه وعلم ..

ومما استفدناه من سيرته العطرة ، أنَّ على طالب العلم أن يلزم غرز العلماء الكبار ، ليعرف ما يأتي وما يذر ، فيحيى عن بيِّنة ، ولا يقع فريسة لكاتب فارغ ، أو متعالم جاهل .. لقد كان الشيخ على صلة قوية بمشايخه ، وكان يلجأ بعد الله عز وجل إليهم .. ومنهم على سبيل المثال ، العلامة الجليل الفقيه الأصولي الكبير الشيخ: عبد الرزاق عفيفي رحمه الله .. فكان يشكو إليه بعض ما يعتب عليه أقرانه مما لم يدركوه من أمور الواقع ، فيجد من الشيخ عبد الرزاق رحمه الله عونًا له على الثبات وردّ الشبهات .. فهذه وسيلة من وسائل التبصّر في الدين ، والثبات على الحق ..

ومما يزيدك حبًا للشيخ ، اهتمامه بالعلم الأصيل ، دون التعلق بالتوابع والاستكثار من الإجازات ، وما إليها ، وهي قاعدة قديمة عنده ، بل إنَّ من تطبيقاتها القديمة لديه - وقد ناقشته فيها لعدم تسليمي له بها -: أنَّه ختم القرآن على أحد القراء في المسجد النبوي ، فلما انتهى طلب منه المقريء أنّ يتبعه لداره ، ليكتب له الإجازة في قراءة حفص عن عاصم ، فأبى شيخنا ذلك ، وقد دُهش المقريء لمَّا قال له الشيخ: ما جئت للإجازة ، إنَّما جئتك لأضبط القراءة ! وإنَّما لم أسلِّم لشيخي بالامتناع عن الإجازة ، لأنَّ إجازات القرآن والقراءات ، لا زالت بعافية ولله الحمد ، فلا تُعطى إلا لمن يستحقها ، بخلاف غيرها ، وكتاب الله عز وجل ، لا يُتقنه من لم يأخذه من أفواه القراء المتقنين ..

قلت: وأمَّا ما وافقت شيخي فيه بهذا الشأن ، فهو مقْته على اللهث وراء الإجازات التجمُّلية، والانشغال بها عن العلم ، حتى رأيت من بعض الطلبة من لا همّ له إلا هي ، يرحل ويضعن من أجلها ، ورأيت من يحضر بعض مجالس العرض في آخر جلسة فقط ، ليسمع حديثًا واحدًا أو لا يسمع شيئًا ؛ ليدوَّن اسمه فيمن حضر ! والله المستعان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت