فهرس الكتاب

الصفحة 9079 من 27345

والنتيجة النهائية لما كتبناه هي أنه يلزم في الوقت الراهن أن نهتم بوضعية العلاقة بين العلم والدين، وأنه لا مفر واقعيا ونظريا من أن يحتل العلم مكانته في هذه الوضعية: تابعا مطيعا للدين. وهذا هو التعبير الصحيح عن التيار الإسلامي في وضعية المواجهة بين العلم والدين، تنتهي فيه هذه المواجهة إلى تسليم العلم قياده للدين.

ب) وهناك تيار علماني إلحادي يجعل الكلمة العليا للعلم؛ وعندئذ فهو ينكر على الدين نتائجه ووسائله على السواء، ويحاول أن يقتلعه من جذوره. كما كان يتصور طه حسين في كتابه الذي اقتطفنا منه في أول المقال، وإذن فهي معركة بين العلم والدين، ينبغي في نظر هؤلاء أن تنتهي بالقضاء على الدين.

وينطلق"الإلحاد العلمي"هنا من قواعد تنتمي إلى"الفلسفة العلمية ولا تنتمي إلى العلم ذاته"لأن العلم في أبوابه الأصلية - النظريات والقوانين - يعلن أنه يقوم على الظن لا على اليقين.

والفكر الإسلامي لا ينبغي له أن يهاب هذا الموقف، فهو مفروض عليه سواء أراد أو لم يرد. إنه لم يعد كافيا في الدفاع عن الدين ضد الإلحاد المستند إلى العلم"كذبا"أن نقتصر على بيان اختلاف المجال في كل من الدين والعلم من ناحية، أو بيان التوافق بينهما من ناحية أخرى، فهذا الموقف يدخل السرور على عتاة الإلحاد العلمي لأنهم يدركون قصوره، إنما الموقف الذي ينبغي أن نقتحمه؛ هو موقف الحسم، على المستوى النظري على الأقل، والحسم هنا أمر مطلوب لمنع التداعيات الفاسدة التي يمكن أن تترتب عادة على الميوعة السائدة في هذا المجال، وهو حسم واجب وجوب الحسم الذي نراه في قضية موازية؛ العلاقة بين الدين والسياسة، إن اللبس والدعايات المأجورة تنفث سمومها من حيث ترك الإجابة على السؤال الآتي: أيهما يخدم الآخر؛ الدين يخدم العلم؟ الدين يخدم السياسة؟

هنا نقطة الانحراف، هنا يسمع فحيح الأفعى، وكلاهما من جحر العلمانية.

يجب أن نحسم الأمر:

# السياسة هي التي تخدم الدين.

# العلم هو الذي يخدم الدين.

# والدين - وبالتحديد الدين الإسلامي - لا مكان فيه ألبتة لما يسمى"رجل الدين"أو"المؤسسة الدينية".

وقد استدللنا على ذلك.

هنا يجب أن ننتقل من الدفاع إلى الهجوم، والهجوم هنا ينبغي أن يتجه إلى ضرب القواعد التي يستند إليها الإلحاد المعاصر"العلمي"في محاربته للدين؛ وهذه القواعد في تقديري ثلاثة:

القاعدة الأولى: الزعم بإنكار كل الغيبيات التي لا يمكن إخضاعها للملاحظة والتجربة.

القاعدة الثانية: الزعم بأن حتمية القوانين الطبيعية من ناحية وقوانين التطور التقدمي من ناحية أخرى يمكن الاستغناء بهما عن افتراض وجود الله وعلمه وإرادته كتفسير لوجود العالم وحركته وتغيره.

القاعدة الثالثة: ادعاء كفاية المنهج العلمي في المعرفة من ناحية، والقيم من ناحية أخرى، والاستغناء به عن المناهج المعرفية الأخرى التي تقوم بها الفلسفة الميتافيزيقية أو الدين. وهنا نجد المجال مفتوحا أمام الباحثين لضرب هذه القواعد.

وبهذا يتم في تقديرنا قتل حشرات العلمانية التي خربت طويلا في ثقافة العصر، ودمرت إمكانية التقدم في بلادنا الإسلامية والعربية منذ أكثر من قرن.

ولهذا بحث منجز، نرجو أن نقدمه مستقبلا.

والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت