فهرس الكتاب

الصفحة 9087 من 27345

ولا يمكن إغفال دور البعثات الدبلوماسية:سواء كانت بعثات للدول الغربية في الشرق،أو للدول الشرقية في الغرب،فقد أصبحت في الأعم الأغلب جسورا تمر خلالها علمانية الغرب الأقوى إلى الشرق الأضعف ، من خلال المنح الدراسية وحلقات البحث العلمي،والتواصل الاجتماعي،والمناسبات والحفلات ، ومن خلال الضغوط الدبلوماسية والابتزاز الاقتصادي،وليس بسر أن بعض الدول الكبرى أكثر أهمية وسلطة من القصر الرئاسي أو مجلس الوزراء في تلك الدول الضعيفة التابعة .

ولا يخفى على كل لبيب دور وسائل الإعلام المختلفة ، مسموعة أو مرئية أو مقروءة ، لأن هذه الوسائل كانت من الناحية الشكلية من منتجات الحضارة الغربية-صحافة أو إذاعة أو تلفزة-فاستقبلها الشرق واستقبل معها فلسفتها ومضمون رسالتها،وكان الرواد في تسويق هذه الرسائل وتشغيلها والاستفادة منها إما من النصارى أو من العلمانيين من أبناء المسلمين فكان لها الدور الأكبر في الوصول لجميع طبقات الأمة ، ونشر مبادئ وأفكار وقيم العلمانية ، وبالذات من خلال الفن ، وفي الجانب الاجتماعي بصورة أكبر .

ثم كان هناك التأليف والنشر في فنون شتى من العلوم وبالأخص في الفكر والأدب والذي استعمل أداة لنشر الفكر والممارسة العلمانية0

فقد جاءت العلمانية وافدة في كثير من الأحيان تحت شعارات المدارس الأدبية المختلفة،متدثرة بدعوى رداء التجديد والحداثة،معلنة الإقصاء والإلغاء والنبذ والإبعاد لكل قديم في الشكل والمضمون وفي الأسلوب والمحتوى ومثل ذلك في الدراسات الفكرية المختلفة في علوم الاجتماع والنفس والعلوم الإنسانية المختلفة،حيث قدمت لنا نتائج كبار ملاحدة الغرب وعلمانييه على أنه الحق الطلق،بل العلم الأوحد ولاعلم سواه في هذه الفنون،وتجاوز الأمر التأليف والنشر إلى الكثير من الكليات والجامعات والأقسام العلمية التي تنتسب لأمتنا اسما ،ولغيرها حقيقة 0

ولايسطيع أحد جحد دور الشركات الغربية الكبرى التي وفدت لبلاد المسلمين مستثمرة في الجانب الاقتصادي

هكذا سرت العلمانية في كيان الأمة ، ووصلت إلى جميع طبقاتها قبل أن يصلها الدواء والغذاء والتعليم في كثير من الأحيان، ولو كانت الأمة حين تلقت هذا المنهج العصري تعيش في مرحلة قوة وشموخ وأصالة لوظفت هذه الوسائل توظيفا آخر يتفق مع رسالتها وقيمها وحضارتها وتاريخها وأصالتها .

بعض ملامح العلمانية

لقد أصبح حَمَلة العلمانية الوافدة في بلاد الشرق بعد مائة عام من وفودهم تيارا واسعا نافذا متغلبا في الميادين المختلفة فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية ، وكان يتقاسم هذا التيار الواسع في الجملة اتجاهان:

أ-الاتجاه اليساري الراديكالي الثوري،ويمثله - في الجملة - أحزاب وحركات وثورات ابتليت بهاء المنطقة ردحا من الزمن ، فشتت شمل الأمة ومزقت صفوفها ، وجرت عليها الهزائم والدمار والفقر وكل بلاء ، وكانت وجهة هؤلاء الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه،سواء كانوا شيوعيين أمميين ،أو قوميين عنصريين .

ب-الاتجاه الليبرالي ذي الوجهة الغربية لأمريكا ومن دار في فلكها من دول الغرب ، وهؤلاء يمثلهم أحزاب وشخصيات قد جنوا على الأمة بالإباحية والتحليل والتفسخ والسقوط الأخلاقي والعداء لدين الأمة وتاريخها .

وللاتجاهين ملامح متميزة أهمها:

1-مواجهة التراث الإسلامي ، إما برفضه بالكلية واعتباره من مخلفات عصور الظلام والانحطاط التخلف ـ كما عند غلاة العلمانية ـ ، أو بإعادة قراءته قراءة عصرية ـ كما يزعمون ـ لتوظيفه توظيفا علمانيا من خلال تأويله على خلاف ما يقتضيه سياقه التاريخي من قواعد شرعية ،ولغة عربية ،و أعراف اجتماعية ،ولم ينج من غاراتهم تلك حتى القرآن و السنة ، إمّا بدعوى بشرية الوحي ، أو بدعوى أنه نزل لجيل خاص أو لأمة خاصة ، أو بدعوى أنة مبادئ أخلاقية عامة ، أو مواعظ روحية لاشأن لها بتنظيم الحياة ، ولا ببيان العلم و حقائقه ، ولعل من الأمثلة الصارخة للرافضين للتراث ، والمتجاوزين له"أدونيس"و"محمود درويش"و"البياتي"و"جابر عصفور".

أما الذين يسعون لإعادة قراءته وتأويله وتوظيفه فمن أشهرهم"حسن حنفي"و"محمد أركون"و"محمد عابد الجابري"و"حسين أمين"ومن على شاكلتهم ، ولم ينج من أذاهم شيء من هذا التراث في جميع جوانبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت