فهذا هو موقف الداعية المصلح الذي يبدأ بتطبيق ما يدعو إليه على نفسه، ويأخذها بالحزم، ويروضها على ما يريده الإسلام، وهذا هو الداعية الناجح الذي يقدم للناس أحكام الإسلام، وأخلاقه صورًا حية يرونها بأم أعينهم، لا أقوالًا رنانة، ثم يرون الانفصام بين القول والسلوك، وهذا مذموم في نظر العقلاء. قال الشاعر:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل
يقول سيد قطب:'أن الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيمًا واقعيًا لما ينطق، عندئذ يؤمن الناس ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق، إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها، وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها، إنها تستحيل يؤمئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة' [ في ظلال القرآن [1/85] ].
الآية الثالثة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [2] كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [3] } [سورة الصف] . فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ' كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد، يقولون لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل بها، فأخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن أحب الأعمال: إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به'. فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فأنزل الآية.
ومع أنها نزلت في موضوع الجهاد وتمنيه، لكن يستدل بالآية من عموم لفظها على الإنكار على كل من خالف قوله فعله، سواء في الوعد، أو العهد، أو الأمر، أو النهي.
ومن هنا فالآية درس للأمة الإسلامية، وتوجيهات ربانية، مبدوءة بلفظ محبب إلى النفوس، وثمنه التنفيذ والامتثال، بأن يكون كل فرد منا عند قوله، فلا يقول إلا حيثما يتبع القول بالعمل، وإلا فقد عرض نفسه لمقت الله الذي هو أشد البغض، قال الراغب:'المقت: البغض الشديد لمن تراه تعاطى القبيح'. يقول صاحب الظلال:'إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك، والإسلام عقيدة متحركة لا تطيق السلبية، فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور، تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج، ولتترجم نفسها إلى حركة، وإلى حركة في عالم الواقع.ومنهج الإسلام الواضح يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل' [ في ظلال القرآن [6/114] ].
إن العمل بالعلم من أهم صفات الداعية بعد الإخلاص وحسن القصد، ولا يبعد أن يكون سبب إخفاق كثير من الدعاة فشلهم في تحويل علمهم إلى حركة في عالم الواقع يراها من يسمع كلامهم.
الآية الرابعة: قوله تعالى: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [30] وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [31] } [سورة الأحزاب] . قال النسفي:' يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ }ضعفي عذاب غيرهن من النساء؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل؛ لأن المعصية من العالم أقبح' [ تفسير النسفي [3/301-302] ].
ثانيًا:العمل بالعلم في السنة النبوية:
لقد جاءت الأحاديث الكثيرة مؤكدة إتْبَاع العلم بالعمل، وأن على المسلم أن يدعو الناس بسلوكه قبل أن يدعوهم بكلامه، وأن يحرص على الخير لنفسه كما يهديه لغيره، وهذه بعض الأحاديث:
الحديث الأول: عن سعد بن هشام قال:قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:' أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ' قُلْتُ بَلَى قَالَتْ:' فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ'رواه مسلم.
إجابة موجزة جامعة مفادها: أن القرآن بأحكامه وأخلاقه قد تحول إلى سلوك واقعي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد صار القرآن سجية له، وخلقًا تطبعه، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه.
ومن هنا جاءت أهمية دراسة هدى الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته، إذ أنها تطبيق عملي لما جاء عن الله، سواء ما كان منها متعلقًا بالعقيدة، أو الأحكام، أو الأخلاق؛ لأن هذه مبادئ الإسلام، وأحكامه التي لا ينفصل بعضها عن بعض.