لقد كان العرب في شبه عزلة في الجزيرة العربية ومع ذلك تفهموا شريعة الله التي أصلت أخوة البشر في انتمائهم لأصل واحد ، واستجابوا لها في قوله تعالى في سورة الحجرات: { يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) ، وفي قوله تعالى في سورة النساء {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ، وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ، وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (1)
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع - كما جاء في المعجم الكبيرللطبراني: بسنده عن العداء بن عمرو بن عامر فارس الضحياء في الجاهلية قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقعدت تحت منبره يوم حجة الوداع فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:( إن الله عز وجل يقول"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"فليس لعربي على عجمي فضل ولا لعجمي على عربي فضل ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى
يا معشر قريش لا تجيئوني بالدنيا تحملونها على أعناقكم ويجيء الناس بالآخرة فإني لا أغني عنكم من الله شيئا )
وفي قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء بمسند الشهاب بسنده عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الناس كأسنان المشط )
وفي قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء في صحيح ابن حبان بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء يوم الفتح ، واستلم الركن بمحجنه ، وما وجد لها مناخا في المسجد حتى أخرجت إلى بطن الوادي فأنيخت ، ثم حمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإن الله قد اذهب عنكم عبية الجاهلية ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان: بر تقي كريم على ربه ، وفاجر شقي هين على ربه ، ثم تلا { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا الحجرات } حتى قرا الآية ثم قال ك أقول هذا واستغفر الله لي ولكم
وفي قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء بمسند الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية ، وفخرها بالآباء ، مؤمن تقي وفاجر شقي ، والناس بنو آدم وآدم من تراب ، لينتهين أقوام فخرهم برجال ، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن )
وعبية الجاهلية - بضم العين المهملة وكسر الموحدة المشددة وفتح المثناة التحتية المشددة -- أي فخرها وتكبرها ونخوتها ، وأصله من العب وهو الثقل يقال عبية وعبية بضم العين وكسرها:"مؤمن تقي وفاجر شقي"قال الخطابي: معناه أن الناس رجلان مؤمن تقي فهو الخيرالفاضل وإن لم يكن حسيبا في قومه ، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفا رفيعا اهـ
وقيل معناه: أن المفتخر المتكبر إما مؤمن تقي فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد ، أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله ، والذليل لا يستحق التكبر ، فالتكبر منفي بكل حال .
ومن معاني التوجيه النبوي: أنتم بنو آدم ، وآدم من تراب ، أي فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والكبر
ومن معانيه: ليصيرن الفخور المتكبر بعنصرية الآباء والأجداد أهون و أذل عند الله من الجعلان - بكسر الجيم وسكون العين - جمع جعل - بضم ففتح - وهي دويبة سوداء تدير الروث بأنفها . يوجد كثيرا في مراح البقر والجواميس ومواضع الروث ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها
هذه هي تعاليم الإسلام وهديه يبن العرب ، وقد كانوا عند نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم في شبه عزلة بين الأمم من حولهم ، فما استقر فيهم منطق العنصرية العرقية وما هجروا هدي الله بعد أن نزل إليهم في الأخوة الإنسانية
فليست التفرقة العنصرية في تقديرنا راجعة إذن إلى حالة عزلة عن الأجناس الأخرى بقدر ما هي راجعة إلى عزلة عن هدي الله الذي أطل على البشرية كلها ، يقول تعالى: ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) فاطر 24 ، فاخذ بمعاييره من أخذ ، وهجرها من هجر لعوامل أخرى تستحق الدراسة .
ولذا ذهب عالم آخر من علماء الإنثربولوجيا وهو ميشيل ليريس إلى وجهة نظر أخرى في أن التحيز العنصري اختراع حديث ظهر على يد الرجل الأبيض لظروف خاصة به تتعلق بالجذور الثقافية من جهة ، والظروف الاستعمارية للأرض الجديدة ( امريكا ) وظاهرة الرق من ناحية أخرى .