فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 27345

والأمر لايقف عن أبواب السلوك؛ فحين قتل أسامة رضي الله عنه رجلًا قال لاإله إلاالله -والموقف يوحي ويشعر لكل من يقرأه أن هذا الرجل كما قال أسامة- هذا رجل يقتل المسلمين فما ترك أحدًا إلا قتله، فحين أدركه أسامة - رضي الله عنه - ورفع عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أي إنسان يسمع هذه القصة سيظن كما ظن أسامة - رضي الله عنه - أن هذا الرجل إنما قال هذه الكلمة فرارا من القتل، وإلا أين تصديقه بهذه الشهادة وأين إقراره بها قبل ذلك؟ ومع ذلك لما أنكر عليه النبي قال أسامة إنما قالها فرارا من القتل قال له:"أفلا شققت عن قلبه"؟

إن هذا الخطاب ليس لأسامة وحده رضي الله عنه، بل الخطاب للأمة أجمع، فما كلفنا بالتفتيش عن قلوب الناس.

هذا إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدرسول الله، بل يقول لك أنا على عقيدة التوحيد، وأنا على هذا المنهج ومن أتباعه، وتقول له: لا إنك لست على ذلك، وتنكر عليه ادعائه وتذهب تفتش عما يقول وتبحث عن كلمة تحتمل تأويلا حتى تخرجه من هذه الدائرة‍‍‍‍‍‍‍‍ ! هل مقتضى الغيرة على عقيدة أهل السنة يقتضي منا هذا المسلك؟ أم يقتضي منا أن نأخذ الناس على ظاهرهم؛ فمن أظهر خيرا وصدقا ونصيحة واتباعا للسنة قبلنا منه وحسابه على الله عز وجل، ومن أظهر خلاف ذلك عاملناه بما يظهر منه.

أما أن يكون الأصل عندنا أن نشك في عقائد الناس حتى يثبت خلاف ذلك، فليس هذا من الغيرة على عقيدة أهل السنة، ولا على عقيدة التوحيد، وليس من النصرة لمنهجك أن تسعى إلى إخراج الناس منه، وإبعادهم عنه.

كيف نتعامل مع المخالف؟

لاشك أن الرحمة بالناس والخلق لا يمكن أن تدعونا إلى أن نتستر على الأخطاء والأمور الظاهرة، وقد شرع الله لنا التعامل مع ما يظهر من الناس ويبدو منهم، وسرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى.

والمخالفون أصناف منهم:

المجتهد المخطئ: فقد يجتهد الإنسان ويبذل وسعه في تحري الحق والبحث عن الدليل ثم يقع في خطأ، فيتأول نصًا من كتاب الله أو سنة النبي على خلاف تأويله، أو تبدو له شبهة أو عارض من العوارض فيصل إلى نتيجة خاطئة، فهذا قد قال عنه:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد".

والمجتهد الذي بذل وسعه معذور سواء في الأمور العملية أو الأمور الخبرية، وغالب هؤلاء إنما يقع خطؤه في أمور ليست معلومة من الدين بالضرورة. وقد يكون له من الخير والفضل والحسنات ما يمحو ذلك والماء إذا بلغ قلتين لن يحمل الخبث.

ومنهم الجاهل المعذور: الذي قلد من وثق في عمله وورعه ودينه أو وقع في أمر عن حسن نية.

ومنهم متعد ظالم ومبتدع آثم.

ومنهم منافق زنديق.

ومنهم مشرك ظالم.

فالمخالفون والمخطئون لنا ليسوا طائفة واحدة، وليسوا على درجة واحدة، ولا يجوز أن نحشرهم كلهم في واد واحد.

وقد تحدث أئمة أهل السنة حديثا طويلا مستفيضا عن الموقف من هؤلاء والتعامل معهم، كل على حسب منزلته فمنهم من يعذر ويحسن إليه، ومنهم من يغلظ عليه، ومنهم من يهجر، ومنهم من يؤدب ويعزر.

المقصود أيضا أن أهل السنة لا يبغون على المخالف كما قال شيخ الإسلام رحمه الله ويرفقون بمن خالفهم.

الرحمة للخلق لاتكون على حساب المنهج:

لقد سبق أن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وهذا يعني أن الرحمة بالخلق ليست على حساب المنهج، ولا تؤدي هذه الرحمة إلى المساومة عليه، وإلى الإغضاء عن الابتداع والضلال والخطأ.

ومواقف شيخ الإسلام العملية أيضا تؤيد هذا المعنى الذي قاله، منها مواقفه مع أعدائه الذين امتحن رحمه الله بسببهم وأدخل السجن وأوذي وصار له ما صار بسببهم، يقل ابن القيم رحمه الله جئت يوما مبشرا له بموت أكثر أعدائه وأشدهم عداوة وإيذاءً له؛ فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ثم قال إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له.

ولما مرض مرض الوفاة رحمه الله دخل عليه أحد الذين عادوه وآذوه واعتذر له، فقال: إني قد عذرت وحللت كل أولئك الذين آذوني وخالفوني، ولهذا قال عنه خصومه وهو ابن مخلوف:ما رأينا مثل ابن تيميه .. قدر علينا وصفح عنا وحاج عنا.

والمقصود من ذلك كله أيها الأخوة الكرام أننا ينبغي أن نقتدي بإمام أهل السنة وفرطهم في هذا الخلق العظيم وهو الرحمة، وأن نرى أنه من تمام انتسابنا إلى منهج أهل السنة أيضا أن ننظر إلى سلوكهم وهديهم وورعهم وسمتهم، وأن نقتفي أثرهم عليهم رحمة الله ورضوانه أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من نجاه الله سبحانه وتعالى فكان على مثل ما كان عليه وأصحابه إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على نبينا محمد. لقد سبق أن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وهذا يعني أن الرحمة بالخلق ليست على حساب المنهج، ولا تؤدي هذه الرحمة إلى المساومة عليه، وإلى الإغضاء عن الابتداع والضلال والخطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت