فهرس الكتاب

الصفحة 9174 من 27345

والقاعدة الثالثة: أصبح كثير من المسلمين لو سألته: لم تركت الصلاة فيقول:"كسلا"! ولكن الكسل ليس عذرًا مقبولًا في الإسلام ليسوغ ترك الصلاة . ولو كان العذر الكسل ، لترك الرجل الصلاة يومًا أو يومين أو مدة قصيرة ، يتذكر بعدها أن الصلاة فرض وأنها ركن من الأركان الخمسة . أما أن يظل تاركًا للصلاة عمره كله بحجة الكسل ، فهذا عذر مرفوض دينًا وعقلًا . والواقع اليوم يكشف لنا أن الملايين من المنتسبين إلى الإسلام لا يصلون . وقد يلجؤون إلى عذر الكسل ، أو على الأصح اللامبالاة وعدم الاهتمام . وإذا ذكَّرت أحدًا من هؤلاء بأمر الدين ومنزلة الصلاة أجابك: هذا أمر يخصني أنا ، وهي علاقة بيني وبين الله . فيصدك بإصرار عن أن تتدخل في أمر تركه للصلاة أو تنصحه . لقد ذهب وازع السلطة ، الوازع الذي شرعه الله للمؤمنين ، حتى يقيم فيهم شرع الله ، ويقيم أمر الدين كله . فتفلت الناس ووجدوا من يغريهم على التفلت ويهون لهم أمر ترك الصلاة . فإذا كان المرض الشديد لا يجيز ترك الصلاة ، وإذا كان الخوف لا يجيز ترك الصلاة ، وإذا كان المسلم مكلفًا بإقامة الصلاة في جميع حالاته لا يُقبَل له عذر بتركها ، فهل يُقبَل عذر الكسل ؟ !

القاعدة الرابعة: يجب التفريق في واقعنا اليوم بين حكم تارك الصلاة ، وبين طريقة معالجة هذه المشكلة . فحكم تارك الصلاة في الإسلام واحد ، لا عذر عند الله لأحد بتركها أبدًا ، ونحن مكلفون أن نوضح هذه الحقيقة للناس توضيحًا جليًا عسى أن يرتدع بعض تاركي الصلاة . واليوم عدد تاركي الصلاة كبير جدًا في العالم الإسلامي ، ملايين تتلوها ملايين ، ولا يتوافر سلطان ليزجر أو يستتيب أو يقيم الحد . وهو ابتلاء من الله كبير . ولكن يبقى تارك الصلاة ، بالنسبة للاجتهاد البشري في هذه الحياة الدنيا كافرًا ، ولكن تختلف طريقة المعالجة لهذه المشكلة المتزايدة . فالحكم ثابت مدى الأزمان ، وطريقة التعامل والمعالجة تختلف . وأعتقد أن رأي أبي حنيفة في شأن تارك الصلاة وسيلة لمعالجة مشكلة في الواقع أكثر منها حكمًا شرعيًا ملتزمًا بنصوص شرعية .

والموقف اليوم وأسلوب المعالجة ينطلق من حقيقة أساسية هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد ، إلى الله ورسوله . يمكن أن نقول لتارك الصلاة حقيقة الحكم إذا كان ذلك يؤثر فيه إيجابيًا ، ويجعله يعيد تفكيره ، ويمكن أن لا نثير هذا الموضوع ، وننطلق إلى الخطوة الرئيسة لندعوه إلى حقيقة الإيمان دعوة منهجية مدروسة ، نتألف بها قلبه على الإيمان والتوحيد ، ونبين له نواحي الخلل في إيمان بعض الناس الذين يقولون إنهم مؤمنون . فتبرز قضية الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ومعنى الألوهيّة والربوبية ، ومعنى عبودية الإنسان لله رب العالمين ، والعهد مع الله ، والولاء الأول لله ، والحب الأكبر لله ولرسوله ، وأن الإيمان قضية مفاصلة وحسم ، وقضية تكاليف والتزام ، وقضية مسؤولية وحساب ، وأن الإيمان الصادق يدفع المسلم إلى النهوض إلى التكاليف الربانية ، وأولها ، بعد الأركان الخمسة طلب العلم من القرآن والسنة ، إلى غير ذلك من التكاليف ، وأن منهاج الله مصدر ذلك كله .

ويعرض المسلم هذه القضايا بأسلوب يختلف من شخص إلى شخص ، بعد دراسة الشخص واختيار الأسلوب الأنسب والأوفى .

أما أن نترك تارك الصلاة ، لا ننبهه لخطورة القضية ، ولا نعالجها فيه ، فهذا أمر سيء يقع إثمه على كل مسلم يتخلى عن النصح والتذكير والدعوة في واقع لا يحكم فيه الإسلام ، أو على المسؤول المنوط به هذا الأمر .

ونعود لنؤكد أن من قال:"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، نقبل إيمانه ولا ندعي أننا نعرف ما في قلبه . ولكنه يخضع لحكم الإسلام بعد أن نطق بالشهادتين ، فيطالب بأداء ما كلفه الله به بموجب الشهادتين ، فإن قام بذلك فقد أحسن ، وأن أبي ونكث فيقام عليه حكم الإسلام . وأي حكم يقام عليه فلا يعني أنه هو حكم الله عليه في الآخرة . فحكم الدنيا اجتهاد أُمِرنا به ، وحكم الآخرة عدل وحق من الله .

وأما بالنسبة لما ورد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من قال:"لا إله إلا الله دخل الجنة"فإنها تعني أن من قالها صادقًا من قلبه ، كما يبينه نص آخر للحديث ، فإنه يدخل الجنة . ومن قالها صادقًا من قلبه فإنه يستجيب لأمر الله وينهض لما كلفه الله به في حدود وسعه الصادق . وإلا كيف ينسجم الصدق الخالص من القلب وعدم الطاعة لله ولرسوله . ويظل معنى هذه الأحاديث يدل على أن الحكم على قائل الشهادتين هو حكم في الآخرة ، حيث يعلم الله وحده ما في قلبه . وربما دخل النار رجل قال الشهادتين وأدى الشعائر ، فعلم الله أنه لم يكن صادقًا فأدخله النار .

نستغفر الله إن أخطأنا ونتوب إليه ، فهذا غاية اجتهادنا ، والحمد لله رب العالمين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح الجامع الصغير وزيادته: ( ط:3) ـ ( رقم: 4143) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت