فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
نحن اليوم نريد أن نواجه القضية التي تشكل عندنا أهمية حاسمة ولماذا تشكل هذه الأهمية؟ تشكل هذه الأهمية لأن الجو العام في العالم كله خضع لانطباعات ومؤثرات هي -وفاقًا لموازين الإسلام ومقاييسه الاعتقادية والعملية- تحمل نذر خطر ساحق، ليس على الإسلام وحسب وإنما على البشرية ككل، القضية هي قضية العنف في الدعوة وعدم العنف في الدعوة أي السلوكين أجدى..! وأي السلوكين أقوم..! وأيهما أدعى إلى أن تصحح الأوضاع باتجاه الإسلام تصحيحًا مبرءًا من العقد والانتكاسات..! هذا الموضوع في الواقع كنت أثرته بصورة مبدئية في أوائل الصيف الماضي يوم كنا نخطب في الجامع الوسط، وأثرته في ظروف شاء الله أن تثار فيها. وكنت أرى أن العنف لا يجدي وأن العنف يخرب الشخصية الإنسانية وأن العنف يولد في المجتمعات ردود أفعال غير مأمونة العواقب ثم كان بعد أيام، فتلقيت من أخ كريم رسالة بعد الخطبة الأولى يتساءل فيها برفق وباحترام كيف يمكن لنا أن لا ندعو إلى العنف مع حاكم أو سلطة استنزفت دم الشعب وجلدت الأحرار وأراقت الدماء وضيقت على الحريات ووضعت الناس في سجن كبير، وأخذت الكتاب قرأته وطويته ووضعته في جيبي وقلت لصاحبه سأجيبك إن شاء الله وإلى تاريخه لم أجب الرجل على أسفٍ مني أحسه حتى الآن. شاء الله أن نبدأ موضوعاتنا الأخيرة وأن يكون للعنف والحديث عنه مكانه الخاص في هذه الأحاديث نحن اليوم نواجه؛ لكني أريد أن أقول للأمانة إنني أشعر بأن هذا الأخ وبقية الإخوة الذين يشعرون بهذه المشاعر ويحسون هذه الأحاسيس ويفكرون على هذا النحو؛ معهم بعض العذر.. لا كل العذر، ظواهر الأمور توحي بأن الذي يضغط ويكبت ويعتدي ويظلم إنسان عدو للشعب يجب أن لا يتفاهم معه الشعب إلا بكفة الحديد والنار والدماء والدموع لكني أريد أتساءل وأن تتساءلوا معي: أترى ظواهر الحياة الاجتماعية الإنسانية شيء ينزل من السماء أو ينجم من الأرض مبتوت الصلة بما قبله مبتوت الصلة بما حوله أم الظواهر الاجتماعية حصيلة تفاعلات طويلة وعديدة ومعقدة تربط بينها عوامل شديدة التعقيد لا شك أن الظاهرة الاجتماعية هي حصيلة عوامل تمتد في الزمان والمكان طولًا وعرضًا. وحين نأتي إلى الظاهرة كظاهرة لنبني آراءنا على أساسها فهذا موقف سليم في ظاهر الأمر، هروبي في التحليل الأخير وفي محصلة الحساب هروبي، لأنه يشكل نوعًا من الإسقاط، فنحن سمحنا بالتغاضي بالتهاون بالتخلي عن الواجبات بالكف عن الرقابة، بإسقاط واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أكتافنا سمحنا لبروز الظاهرات المَرَضيّة، والظاهرات المرضية كنقط المطر التي تنزل واحدة واحدة ولكنها من حيث المآل تشكل سيلًا عارمًا يجرف كل ما أمامه، من المسؤول عن بروز الظاهرات الاجتماعية الشاذة سواء في الحياة الاجتماعية أو في الحياة السياسية أو في الحياة الاقتصادية؟ المسؤول ليس الحاكم الذي هو المحصلة النهائية لهذا العدد الذي لا يتناهى من الأسباب لا؛ هو طرف من جملة أطراف ولعله أن يكون الطرف الذي يستدعي الشفقة والرثاء أما الطرف الذي يستوجب المحاسبة ويستوجب التدقيق ويستوجب طول الوقوف في الأخذ والرد معها فجمهور الشعب الذي سمح باللامبالاة، بالتخفف من المسؤوليات، بالجبن بالانهزامية والهروب أن تبرز ظواهر سلبية وخطرة من هذا النوع أنا في الحقيقة كما قلت أعطي تساؤل الأخ وكل الذين يشاركونه الرأي والأحاسيس جانبًا من المشروعية ولكني وفاقًا لما أخذت به نفسي من نهج علمي لا أستطيع أن أسقط من المسؤولية أطرافها التي تشترك فيها؛ المسؤولية واضحة وأطرافها قسم بارز على السطح يطفو، والقسم الآخر يضع رأسه تحت الماء لا يكاد يرى ولكنك لو غمست يدك قليلًا لعثرت على الرؤوس التي أفرزت هذه الظواهر المرضية. وبعد فالحديث عن هذه الظاهرة -وهي ظاهرة مزعجة- حديث يقتضي شيئين واسمحوا لي إذا قلت لكم إنني اليوم سأقدم لكم وجبة عسيرة الهضم لا تكادون تسمعون فيها آية من كتاب الله ولا حديثًا من أحاديث رسول الله ولا واقعة من وقائع السيرة وإنما هو المحاكمة؛ والمحاكمة العقلية الجافة فقط تقتضي منا أولًا أن نتعرف على التربة التي ولدت ظاهرة العنف تلك الظاهرة التي تطبع عصرنا الحديث بطابعها الظاهر البارز والشيء الثاني الذي تقتضيه شعور بأقصى درجة ممكنة من الأمانة في مواجهة الوقائع؛ منذ زمن وأنا أريد أن أقطع من التاريخ منظورًا خاصًا، طبعًا لا أتكلم عن القضية من وجهة نظر الإسلام، فذلك حديث يأتي في الجمعة القادمة وما يليها. إنما أريد أن أتتبع الظاهرة الموجودة اليوم منذ زمن بعيد، منذ أكثر من قرنين كان الناس يعيشون حالة لا عقلانية لا شعورية ثمة ملك أو أمير حوله حاشية من الإقطاعيين والفرسان وحولهم يدور عدد من المثقفين هؤلاء هم الذي يفكرون ويقررون ويقدرون وينفذون؛ وأما جماهير الناس السواد الأعظم الذي تنعكس عليه آثار هذه التصرفات والذي سيعاني من هذه النتائج معاناة حقيقية فهو غائب عن