وأنعم الله علي أن قابلت عدة شباب سوريين يعيشون داخل سوريا ، ولدوا في عقد الثمانينات ، وكتب الله لهم الحياة ... وعجبت أن هؤلاء الشباب يملكون فهمًا اسلاميًا صافيًا للاسلام دين ودولة ، عقيدة وشريعة ، وينظرون إلى جماعة الاخوان المسلمين عبر الفضائيات ومواقع الانترنت على أنها سوف تخلص سوريا من الطاغوت ، وتحقق لهم مايحلمون به من الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ... ويعتبرون أنفسهم جنودًا من جنودها ... ولو أن المقام يسمح بالكلام لقلت أني وجدت لدى الشباب داخل سوريا ؛ مالايصدقه العقل ، إلا باللجوء إلى التفسير الرباني ، العناية الربانية ، وهذه واحدة ... سجين في عام (1995) عندما أفرج الطاغية عن دفعة كبيرة ، وطلب منهم التوقيع على تعهد منهم أن لايعودوا لمثل ذلك ، أبى أحد السجناء أن يوقع ذلك التعهد وقال لمدير السجن: هل تريدني أن أتعهد على أن لاأعود للدراسة في كلية الشريعة ، وأن أتعهد أن لا أصلي إمام جمعة إذا غاب الخطيب ، هذه جرائمي عندكم ، فأنا عندكم في السجن منذ ثلاثة عشر عامًا ، وهذه جريمتي: طالب في كلية الشريعة ، أخطب الجمعة إذا تغيب الإمام ... هل أتعهد أن لا أعود لمثل ذلك !!!؟ وصار مدير السجن يترضاه ويقول له هذا أمر روتيني ، لابد منه ، وأرجو أن توقع ولاتحرم أهلك من الفرحة بخروجك من السجن ، ولكنه أصر ، وبقي عشر سنوات أخرى ، حتى خرج بدون تعهد ، وعرفت بعد خروجه أنه مصر على الالتزام بدراسة الشريعة ، ومصر على أن الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ..
حزب العدالة والتنمية التركي:
وقبل مدة قليلة قابلت عضوين في البرلمان التركي من حزب العدالة والتنمية ، ودار الحوار بيننا بضع ساعات عبر مترجم معهم ، ومما استخلصته أن فساد الحكومة التي سبقتهم ( وكانت ائتلاف من ثلاثة أحزاب يرأسها أجاويد ) ، فساد هذه الحكومة السابقة ، كان السبب الأقوى في توجه الناخبين الأتراك إلى بذل أصواتهم لحزب العدالة والتنمية الاسلامي ...
وقل مثل ذلك في انتخابات مصر التي قال المحللون أنها لوكانت نزيهة لفاز الاخوان المسلمون بالأكثرية الساحقة فيها ، لسبب هام وهو فساد المنافس ، وتأكد الشعب المصري من فساد الحزب الوطني الذي يحكم مصر ، وقل مثل ذلك في نجاح حماس الفلسطينية .
وفساد الخصم ، وتوجه الناس نحو الدعاة المسلمين ، هذا إعداد رباني وتهيئة لحفظ الاسلام وقوته في هذه البلاد ، واستجابة لأرواح الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله عزوجل ؛ ليحفظوا بلادهم مسلمة ، [ والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لايعلمون ] .
ويتضح ذلك أيضًا عندما ننظر إلى بلدان عربية غير الجزائر وسوريا ، تبذل في هذه البلدان جهود وافرة من الدعوة الاسلامية ، كي تعد جيلًا من الشباب المسلم يؤمن أن الاسلام عقيدة وشريعة ، دين ودولة ، ونظام حياة شامل ... هذه البلدان لم تمر بالمحن التي مرت فيها الجزائر ، وسوريا ، نجد بشكل واضح أن النتائج المحصودة أقل بكثير من الجهود الدعوية المبذولة ... فالدعاة متوفرون بكثرة ، والنظام لايحارب الاسلام ، ومع ذلك تجد إقبال الشباب على الالتزام والتمسك بالاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ، أقل من تلك البلدان ... على الرغم من جهود الدعاة الكثيرة المقدمة لهم ...
في الجزائر وجدنا النتائج المحصودة أكبر بكثير من الجهود المبذولة ، وفي سوريا اليوم كذلك توجه الشباب نحو الاسلام الشامل ، الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة أكبر بكثير من الجهود الدعوية المبذولة ...
وفي غير الجزائر وسوريا نجد الصورة معكوسة ، فالجهود الدعوية المبذولة أكبر بكثير من النتائج المحصودة .... ولاتفسير عندي سوى بركة أرواح الشهداء ، أو قل العناية الربانية بأولاد الشهداء وأحفادهم
قال تعالى: [ ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ] وقال تعالى أيضًا: [ ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون ]
فهؤلاء الشهداء أحياء ، ومازالوا دعاة ، يدعون الشباب إلى الاسلام ، والالتزام به ، ولكننا لانشعر بذلك ، سوى أننا نتأكد من وجود أيدي خفية غير ظاهرة دفعت الشباب والشابات في الجزائر نحو الالتزام بالاسلام ، كما تدفع اليوم الشباب والشابات في سوريا إلى الالتزام بالاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ...
[ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ]
والحمد لله رب العالمين ...
* كاتب سوري في المنفى