فهرس الكتاب

الصفحة 9410 من 27345

ويفضح هذين الممثلين الكبيرين البارزين في تاريخ اليوم للحضارة الغربية أنّهما يؤيّدان ماديًّا ومعنويًّا وعلى مرأى ومسمع من العالم وبوقاحة ليس بعدها وقاحة عددًا من الديكتاتوريات في العالم التي تمارس ضدّ شعوبها من الاعتداءات ما يعتبره الغربُ المتعاطي مع العالم الإسلامي بالازدواجية اعتداءات أيضًا بمقياسه ؛ فالديموقراطية التي يفاخر بها الغرب ليست إلاّ خاضعة لمصالحه ؛ فعندما تقتضي المصلحة أن يغزو دولةً من الدول تتبدّى له فيها كثير من السوءات التي تدعوه مُلِحّةً إلى غزوها لزرع"جنّة"الديموقراطيّة فيها وإزالة جميع مساحات"النار"منها . وقد أكّدت المشاهد الأفغانستانية وبعدها العراقية أن الغرب لاتعنيه معاناة الشعوب والأمم ، وإنما تعنيه المصالح المتنوّعة . إن القضية العراقية بصفة خاصّة أثبتت كون"بوش"وعشيقه"توني بلير"أكبر مجرمين في التأريخ المعاصر وأشنع مجرمين بين الفراعنة الحكام الذين دَرَجُوا عبر التأريخ البشريّ؛ ولكنّ الغرب المتظاهر بالعدل والمساواة والإنصاف والحقوق الإنسانية لم يرفع جدّيًّا وبشكل مثمر صوتَه لإيقافهما موقف المجرمين وإدانتهما بارتكاب الجرائم الحربية البشعة التي يشاهدها العالم كل لحظة ومحاكمتهما فعقابهما عقابًا رادعًا . وقد تأكّد كذبهما وتلفيقهما للأسباب التي تَذَرّعا بها لغزو العراق وأيضًا لغزو أفغانستان ؛ حيث إن"بوش"لم يقدم لحد اليوم دليلًا قاطعًا على إدانة القاعدة بتفجيرات 11/ سبتمبر2001م ، الأمر الذي اتخذه وسيلة لغزو أفغانستان وتدميرها عن آخرها .

وما دام الحديث يدور حول تباهي الغرب بـ"الديموقراطية"يطرح هناك سؤال نفسه طرحًا مُلِحًّا: لماذا لاتزال أمريكا ودولُ الغرب مُصِرَّةً على معارضة"حماس"التي فازت بأغلبية في الانتخابات العامة التي صَوَّتَ فيها الشعب الفلسطيني لصالحها . إذا كانت الديموقراطيةُ تعني فيما تعنى احترامَ إرادةِ الشعب فيما يتعلّق بإدارة البلاد ؛ فما هو السبب في الإصرار الأمريكيّ على الامتناع عن التعاون مع حماس التي كسبت إرادةَ شعبها ؟ وما هو الداعي لأمريكا والغرب على الإجماع على ممارسة الضغط عليها للتخلّي عن مبادئها التي تتبنّاها للدفاع عن الشعب الفلسطيني ومقاومة الاعتداء الإسرائيلي الذي تقف أمريكا والغرب بجانبه .

إنّه ليس السبب إلاّ الحقد على الإسلام والمسلمين ، ومعاداة القضايا العربية العادلة ، وتأييد إسرائيل في عدوانها الوحشي على الشعب الفلسطيني والأراضي الإسلامية العربية، الأمر الذي ينصبّ في خانة المصالح الغربية الأمريكية الصليبية الصهيونيّة ذات الأهداف الكثيرة .

وأعود لقضيّة حرية التعبير المزعومة لدى الغرب، لأشير إلى أن رئيس تحرير القسم الثقافي بصحيفة"جيلاندس بوستن"- المسؤول عن نشر الرسوم الكاريكاتوريّة المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم - الذي كان قد أعلن عن خداع أو صدق نيّة اعتزامَه على نشر رسوم كاريكاتوريّة مماثلة ساخرة من المحرقة النازيّة ضدّ اليهود المعروفة بـ"الهولوكوست"نقلًا عن مسابقة أعلنتها صحيفة إيرانية ، قد مُنِحَ إجازةً إجباريّةً، رغم أنه كان قد تَراجَعَ في اليوم نفسه عن تصريحاته حول نشر رسوم ساخرة من"الهولوكوست"مُعْتَبِرًا أنّ إعلانه عن ذلك كان خطأ وأنّه سيلتزم بالخطّ التحريري الذي تُقَرِّرُه إدارة الصحيفة ؛ لكن تصريحاته الأخيرة الواضحة لم تُرْضِ المسؤولين عن الصحيفة ، حتى أرغموه على تقبّل إجازة إجبارية .

وفي السياق نفسه جدير بالذكر أن الصحيفة المذكورة التي أقدمت على نشر رسوم مسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، سبق أن رفضت في شهر أبريل 2003م نشر رسوم مسيئة إلى سيدنا المسيح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - خشيةَ ردود الفعل الغاضبة من قبل قراء الصحيفة من أبناء الغرب الذين معظمُهم يدين بالمسيحية المشوّهة .

وكأنّ الصحيفة حين نشرت الرسوم الساخرة من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تجاهلت ردود فعل المسلمين الغاضبة ، أو أنّها فرّقت بين النبيين - عليهما الصلاة والسلام - لأن ثانيهما نبيُّ المسلمين وحدهم على زعم الغرب . والمسلمون ونبيهم يليقون بكل إساءة ، لأنهم غثاءٌ كغثاء السيل ، ولا قيمة لهم عند الغرب !!.

إن هذا التعامل بل العبث بحقيقة حرية الفكر والتعبير لايحسنه إلاّ الغرب المتكبّر المتنكّر لكل فضيلة وقيمة لدى الشرق ولاسيما المسلمين الذين يحمله كبره على اعتبارهم غير"متحضّرين".

(تحريرًا في الساعة 10 من الليلة المتخللة بين الثلاثاء والأربعاء 27-28/ صفر 1427هـ = 28-29/ مارس 2006م)

نور عالم خليل الأمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت